مجمع البحوث الاسلامية

242

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إفسادهم في دار الإسلام ، ولا فصل حينئذ فيهم بين أن يكونوا مسلمين أو ذمّيّين أو معاهدين أو حربيّين ، كلّ من قدرنا عليه منهم نحكم بينهم بهذه الآية . [ ثمّ ذكر قول مالك بن أنس المتقدّم عن الطّبريّ في كلام وليد بن مسلم وقال : ] وقال ابن المنذر : اختلفت الرّواية في مسألة إثبات المحاربة في المصر عن مالك ، فأثبتها مرّة ونفاها أخرى . نقول : والصّواب الإثبات ، لأنّه المعروف في كتب مذهبه . وإنّما اشترط انتفاء العداوة وغيرها من الأسباب ، ليتحقّق كون ذلك محاربة للشّرع ومقاومة للسّلطة الّتي تنفّذه . وفي حاشية « المقنع » من كتب الحنابلة تلخيص لمذاهب الفقهاء في ذلك هذا نصّه : « يشترط في المحاربين ثلاثة شروط : أن يكون معهم سلاح ، فإن لم يكن معهم سلاح فليسوا محاربين ، لأنّهم لا يمنعون من يقصدهم ، ولا نعلم في هذا خلافا . فإن عرضوا بالعصيّ والحجارة فهم محاربون ، وهو المذهب ، وبه قال الشّافعيّ وأبو ثور . وقال أبو حنيفة : ليسوا محاربين ، أن يكون ذلك في الصّحراء ، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين في قول الخرقيّ ، وجزم به في « الوجيز » ، وبه قال أبو حنيفة والثّوريّ وإسحاق ، لأنّ الواجب يسمّى حدّ قطّاع الطّريق ، وقطع الطّريق إنّما هو في الصّحراء ، ولأنّ في المصر يلحق الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين ، والمختلس ليس بقاطع ولا حدّ عليه . وقال أبو بكر : حكمهم في المصر والصّحراء واحد ، وهو المذهب ، وبه قال الأوزاعيّ واللّيث والشّافعيّ وأبو ثور ، لتناول الآية بعمومها كلّ محارب ، ولأنّه في المصر أعظم ضررا ، فكان أولى أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهرا . فأمّا إن أخذوه مختفين فهم سرّاق ، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم ، وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئا ، لأنّهم لا يرجعون إلى منعة وقوّة . وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطّاع طريق » انتهى . قال بعض المفسّرين المستقلّين بالفهم : إنّ أكثر الشّروط الّتي اشترطها الفقهاء في هذا الباب لا يوجد لها أصل في الكتاب ولا في السّنّة . ونحن نقول : إنّ الآية تدلّ دلالة صريحة على أنّ هذا العقاب خاصّ بمن يفسدون في الأرض ، بالسّلب والنّهب أو القتل ، أو إهلاك الحرث والنّسل ، ومثل ذلك أو منه ، الاعتداء على الأعراض ، إذا كانوا محاربين للّه ورسوله ، بقوّة يمتنعون بها من الإذعان والخضوع لشرعه ، ولا يتأتّى ذلك إلّا حيث يقام شرعه العادل من دار الإسلام . فمن اشترط حملهم السّلاح أخذ شرطه من كون القوّة الّتي يتمّ بها ذلك الأمران إنّما هي قوّة السّلاح . وهو لو قيل له : إنّه يوجد أو سيوجد موادّ تفعل في الإفساد والإعدام وتخريب الدّور ، وكذا في الحماية والمقاومة أشدّ ممّا يفعل السّلاح كالدّيناميت المعروف الآن ، ألا تراه في حكم السّلاح ؟ يقول : بلى . ومن اشترط خارج المصر ، راعى الأغلب ، أو أخذ من حال زمنه أنّ المصر لا يكون فيه ذلك . وما اشترط أحد شرطا غير صحيح أو غير مطّرد إلّا وله وجه انتزعه منه . ( 6 : 352 ) ابن عاشور : تخلّص إلى تشريع عقاب المحاربين ،