مجمع البحوث الاسلامية
151
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والنّوع الثّاني من مباحث الفقهاء : الأسباب الّتي توجب لغير المالك التّصرّف في الشّيء ، وهو باب الوكالة ، والوديعة وغيرهما . والنّوع الثّالث : الأسباب الّتي تمنع المالك من التّصرّف في ملك نفسه ، وهو الرّهن والتّفليس والإجارة وغيرها ، فهذا ضبط أقسام تكاليف اللّه في باب جلب المنافع . وأمّا تكاليف اللّه تعالى في باب دفع المضارّ ، فنقول : أقسام المضارّ خمسة ، لأنّ المضرّة : إمّا أن تحصل في النّفوس ، أو في الأموال ، أو في الأديان ، أو في الأنساب ، أو في العقول . أمّا المضارّ الحاصلة في النّفوس ، فهي إمّا أن تحصل في كلّ النّفس ، والحكم فيه إمّا القصاص أو الدّية أو الكفّارة ، وإمّا في بعض من أبعاض البدن كقطع اليد وغيرها ، والواجب فيه إمّا القصاص أو الدّية أو الأرش . وأمّا المضارّ الحاصلة في الأموال ، فذلك الضّرر إمّا أن يحصل على سبيل الإعلان والإظهار ، وهو كتاب الغصب ، أو على سبيل الخفية وهو كتاب السّرقة . وأمّا المضارّ الحاصلة في الأديان ، فهي إمّا الكفر وإمّا البدعة . أمّا الكفر فيدخل فيه أحكام المرتدّين ، وليس للفقهاء كتاب مقرّر في أحكام المبتدعين . وأمّا المضارّ الحاصلة في الأنساب فيتّصل به تحريم الزّنى واللّواط وبيان العقوبة المشروعة فيهما ، ويدخل فيه أيضا باب حدّ القذف وباب اللّعان . وهاهنا بحث آخر وهو أنّ كلّ أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضارّ بنفسه ، لأنّه ربّما كان ضعيفا فلا يلتفت إليه خصمه ، فلهذا السّرّ نصب اللّه تعالى الإمام لتنفيذ الأحكام ، ويجب أن يكون لذلك الإمام نوّاب وهم الأمراء والقضاة . فلمّا لم يجز أن يكون قول الغير على الغير مقبولا إلّا بالحجّة ، فالشّرع أثبت لإظهار الحقّ حجّة مخصوصة وهي الشّهادة . ولا بدّ أن يكون للدّعوى ولإقامة البيّنة شرائط مخصوصة ، فلا بدّ من باب مشتمل عليها ، فهذا ضبط معاقد تكاليف اللّه تعالى وأحكامه وحدوده . ولمّا كانت كثيرة واللّه تعالى إنّما بيّنها في كلّ القرآن ، تارة على وجه التّفصيل ، وتارة بأن أمر الرّسول عليه السّلام حتّى يبيّنها للمكلّفين ، لا جرم أنّه تعالى أجمل ذكرها في هذه الآية ، فقال : وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وهو يتناول جملة هذه التّكاليف . واعلم أنّ الفقهاء ظنّوا أنّ الّذي ذكروه في بيان التّكاليف وليس الأمر كذلك ، فإنّ أعمال المكلّفين قسمان : أعمال الجوارح وأعمال القلوب ، وكتب الفقه مشتملة على شرح أقسام التّكاليف المتعلّقة بأعمال الجوارح . فأمّا التّكاليف المتعلّقة بأعمال القلوب فلم يبحثوا عنها ألبتّة ، ولم يصنّفوا لها كتبا وأبوابا وفصولا ، ولم يبحثوا عن دقائقها . ولا شكّ أنّ البحث عنها أهمّ والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى ، لأنّ أعمال الجوارح إنّما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب ، والآيات الكثيرة في كتاب اللّه تعالى ناطقة بذلك إلّا أنّ قوله سبحانه : وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ متناول لكلّ هذه الأقسام ، على سبيل الشّمول والإحاطة . [ إلى أن قال : ] فإن قيل : ما السّبب في أنّه تعالى ذكر تلك الصّفات الثّمان على التّفصيل ، ثمّ ذكر تعالى عقيبها سائر أقسام