مجمع البحوث الاسلامية

749

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ويبدو أنّ القرآن حكى القصّة كما في غيرها نقلا بالمعنى ، فجاء في كلّ من سورتي طه والشّعراء قسط من القصّة بألفاظ متفاوتة ، ولكنّ موضع الكلام وهو فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ، فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ واحد . 2 - إنّ السّحرة اتّخذوا آلة سحرهم الحبال والعصيّ ؛ حيث تحرّكتا كالأفاعي فسحروا بها أعين النّاس حتّى أوجس موسى خيفة في نفسه ، فكانت لهم حبال وعصيّ لا حبل أو عصا واحدة ، أمّا موسى فألقى عصاه - وهي واحدة - فإذا هي تلقف دفعة وبسرعة ما كانوا يأفكون بسعي جماعيّ دائم . 3 - جاءت « العصا » في القرآن مرّات في قصص موسى عليه السّلام ، وجاءت « العصيّ » مع « الحبال » جمعا في قصصه أيضا ، لاحظ « ع ص ي » . 4 - جاءت ( إذا ) الفجائيّة فيهما في ناحيتين : في الأولى في ناحية عمل السّحرة ؛ حيث قال : فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ، وفي الثّانية في ناحية عمل موسى عليه السّلام ؛ حيث قال : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ، فيبدو أنّ عملهما كان مفاجأة لا يترقّب وقوعه ، ولكن فيهما تفاوت ، فإنّ فعل السّحرة كان سحرا وخيالا لا حقيقة ، وعمل موسى كان معجزة وحقيقة لا خيالا ، وهذا هو الفرق بين السّحر والمعجزة ، لاحظ « س ح ر » . رابعا : جاء المعنى المجازيّ استعارة مرّة ، وكناية ثلاث مرّات . أمّا الاستعارة ففي ( 4 ) ( حبل الوريد ) وفيها بحوث : 1 - أطلق فيها « الحبل » على عرق « الوريد » تشبيها له بالحبل في طوله واتّصاله . وقد أضيف « حبل » إلى « الوريد » - وهو عرق في العاتق - وهو إمّا من قبيل إضافة الشّيء إلى نفسه بيانا ، كقولهم : « بعير سائبة » أو « شجر الأراك » ، أو أريد به : حبل العاتق ، فيضاف إلى « الوريد » كما يضاف إلى « العاتق » لاجتماعهما في عضو واحد - ذكرهما الزّمخشريّ - أو هو من قبيل إضافة الجنس إلى نوعه بناء على كون « الحبل » مشتركا - كما قيل - فخصّص هنا بالوريد - ذكره ابن عطيّة - فهذه ثلاثة وجوه ؛ والأوّل هو الأرجح عندنا . 2 - أريد بها إحاطة علم اللّه بأعمال الإنسان لشدّة قربه بالإنسان ، وهي من هذه الجهة الحيث كناية ، لأنّه أريد بهذا التّشبيه لازمه ، وهو قربه من الإنسان ، فمن قال : إنّها استعارة أراد نفس ( حبل الوريد ) ومن قال : إنّها كناية أراد الجملة . قال فضل اللّه مشيرا إلى صدر الآية وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ : وهو تعبير كنائيّ عن القرب الإلهيّ من الإنسان بالمستوى الّذي لا يدنو فيه إليه أقرب أعضائه الممتزج بمجاري دمه ، ممّا يجعل معرفة اللّه بالإنسان في داخله الفكريّ والشّعوريّ أمرا في الدّرجة العليا من الوضوح . 3 - ويبدو من بعضهم إشارة أو تصريحا أنّ المراد بها أنّ اللّه أقرب إليكم من أنفسكم ، لأنّ حبل الوريد عصب يوصل الدّم إلى القلب ، وحياتنا متعلّقة به ، وأنّ اللّه أقرب إلينا من هذا العصب الممدّ لحياتنا ، فهو أقرب إلى أنفسنا منّا ، ولهذا قال الطّبرسيّ : « وقيل : هو عرق متعلّق بالقلب ، يعني نحن أقرب إليه من قلبه ، عن الحسن .