مجمع البحوث الاسلامية

750

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وقيل : نحن أعلم به ممّن كان منه بمنزلة حبل الوريد في القرب . وقيل : نحن أملك له من حبل وريده مع استيلائه عليه وقربه منه . وقيل : نحن أقرب إليه بالإدراك من حبل الوريد لو كان مدركا » . وأمّا الكناية ففي ( 5 و 6 ) وفيهما بحوث : 1 - الاعتصام ب ( حبل اللّه ) في ( 5 ) كناية أو استعارة أو تمثيل ، كما جاء في التّفاسير ؛ فقيل : إنّها شبّهت المعتصم بحبل اللّه بمن تمسّك بحبل يوصله إلى بغيته ، أو بمن يمشي على طريق دقيق يخاف أن تنزلق رجله فيتمسّك بحبل يأمن به من الانزلاق ، أو بمن نزل بئرا أو تدلّى من مكان عال يعتصم بحبل تحرّزا من السّقوط ، أو بمن سقط في البئر فيتمسّك بحبل ألقي إليه للنّجاة منها . وكلّ محتمل فلفظ « حبل » استعارة ، و « الاعتصام » ترشيح للمجاز عند البيضاويّ وغيره . وجوّز النّيسابوريّ فيها تشبيهين في « الحبل » وفي « الاعتصام » ، وعند أبي السّعود هي إمّا تمثيل أو استعارة ، وعند الآلوسيّ إنّها استعارة تمثيليّة ، أو فيها استعارتان مترادفتان ، بأن يستعار الحبل للعهد مثلا استعارة مصرّحة أصليّة ، والقرينة الإضافة ، ويستعار الاعتصام للوثوق استعارة مصرّحة تبعيّة ، والقرينة اقترانها بالاستعارة الثّانية ، أو الاعتصام مجاز مرسل تبعيّ بعلاقة الإطلاق والتّقييد ، أو مجاز ، بمرتبتين لأجل إرسال المجاز . وهذه كلّها اصطلاحات بلاغيّة لا يفهمها النّاس ولا يتذوّقونها ، بل يتذوّقها من له إلمام بعلم البلاغة ، لاحظ النّصوص ، ولا سيّما نصّ الآلوسيّ ورشيد رضا . 2 - قالوا في ( حبل اللّه ) : إنّه القرآن ، أو الكتاب والسّنّة ، أو الإسلام ، أو أهل البيت عليهم السّلام ، أو العهد ونحوها ، ولكلّ شاهد من الكتاب والسّنّة واللّغة ، والصّواب كما اعترف به بعضهم : إرادة العامّ ، وهذه مصاديقه ، وأقواها حجّة : الكتاب ، والعترة ، استنادا إلى حديث الثّقلين الّذي عبّر عنهما ب « حبلين » . 3 - وعند الطّباطبائيّ أنّ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا تكليف جماعيّ للأمّة بقرينة جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ، وقبلها اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ تكليف فرديّ لآحاد الأمّة بقرينة ( ولا تموتنّ ) لأنّ الموت أمر فرديّ لا جماعيّ ، وهذه نكتة لطيفة لا تنافي وحدة الخطاب في صدر الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كما يخطر بالبال ، لأنّ الخطاب إلى المؤمنين عامّة واحد ، وما أمروا به متعدّد ، ابتداء بالأمر الفرديّ وانتهاء بالأمر الجماعيّ ، أي اعتصموا بحبل اللّه مجتمعين ، فالحبل واحد والمتمسّكون به جماعة مجتمعون ومشاركون في التّمسّك به . 4 - قال القشيريّ : « يقال للخواصّ : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ولخاصّ الخاصّ ( اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ) * أي أنّهم اتّصلوا باللّه مباشرة ورفع عنهم الحجاب فيعتصمون به بلا واسطة ، وهذا لمن وكّل أمره إلى اللّه تماما ولا يكل إلى اختياره وتدبيره فيضلّ ، إلّا أن يتمسّك بحبل من حبال اللّه فينجو . وقال غيره : « إنّ الإنسان سيبقى في حضيض الجهل والغفلة ، ولا يخرج منهما إلّا بحبل متين ، وليس إلّا بحبل اللّه تبارك وتعالى » .