مجمع البحوث الاسلامية
593
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الحاء الّتي من أقصى الحلق ، والباء للشّفة الّتي هي نهايته ، فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء ، وهذا شأن المحبّة وتعلّقها بالمحبوب ، فإنّ ابتداءها منه وانتهاءها إليه . ويقال في فعله : حببت فلانا بمعنى أصبت حبّة قلبه ، نحو شغفته وكبدته وفأدته ، وأحببت فلانا : جعلت قلبي معرّضا لأن يحبّه . لكن وضع في التّعارف محبوب موضع محبّ ، واستعمل حببت أيضا في معنى أحببت ، ولم يقولوا : محبّ إلّا قليلا قال : ولقد نزلت فلا تظنّي غيره * منّي بمنزلة المحبّ المكرم وأعطوا الحبّ حركة الضّمّ الّتي هي أشدّ الحركات وأقواها ، مطابقة لشدّة حركة مسمّاه وقوّتها . وأعطوا الحبّ وهو المحبوب حركة الكسر لخفّتها عن الضّمّة ، وذلك لخفّة ذكر المحبوب على قلوبهم وألسنتهم مع إعطائه حكم نظائره كنهد وذبح للمنهود والمذبوح وحمل للمحمول ، فتأمّل هذا اللّطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين اللّفظ والمعنى يطلعك على قدر هذه اللّغة الشّريفة وإنّ لها لشأنا ليس كسائر اللّغات . وقد ذكر اللّه تعالى ذلك في مواضع كثيرة من التّنزيل الحميديّ منها : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ المائدة : 54 ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ البقرة : 165 ، إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران : 31 ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ آل عمران : 134 ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ آل عمران : 146 ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ البقرة : 222 ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ الصّفّ : 4 ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ التّوبة : 4 فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا التّوبة : 108 ، إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ ص : 32 ، وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ الحجرات : 17 ، وقال تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ البقرة : 205 ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ لقمان : 18 ، وقال تعالى : إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ التّوبة : 23 ، أي آثروه عليه . وحقيقة الاستحباب أن يتحرّى الإنسان في الشّىء أن يحبّه . واقتضى تعديته ب « على » معنى الإيثار . وفي الحديث الصّحيح : « إذا أحبّ اللّه عبدا دعا جبرئيل فقال : إنّي أحبّ فلانا فأحبّه فيحبّه جبرئيل . ثمّ ينادي في السّماء فيقول : إنّ اللّه يحبّ فلانا فأحبّوه فيحبّه أهل السّماء . ثمّ يوضع له القبول في الأرض ، وفي البغض ذكر مثل ذلك . وفي الصّحيح أيضا : « ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان : أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما . وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا للّه » . وفي صحيح البخاريّ : « يقول اللّه تعالى : من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ من أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه . فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به ، وبصره الّذي يبصر به ، ويده الّتي يبطش بها ، ورجله الّتي يمشي بها ، وإن سألني أعطيته ، ولئن استعاذني لأعيذنّه . وفي الصّحيحين من حديث أمير السّريّة الّذي كان