مجمع البحوث الاسلامية

594

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لأصحابه في كلّ صلاة وقال : لأنّها صفة الرّحمان وأنا أحبّ أن أقرأ بها ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أخبروه أنّ اللّه يحبّه » . وعن التّرمذيّ عن أبي الدّرداء يرفعه : « كان من دعاء داود عليه السّلام : اللّهمّ إنّي أسألك حبّك وحبّ من يحبّك ، والعمل الّذي يبلّغني حبّك . اللّهمّ اجعل حبّك أحبّ إليّ من نفسي وأهلي . ومن الماء البارد » . وفيه أيضا من حديث عبد اللّه بن يزيد الخطميّ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول في دعائه : « اللّهمّ ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ من ينفعني حبّه عندك . اللّهمّ ما رزقتني ممّا أحبّ فاجعله قوّة لي فيما تحبّ ، وما زويت عنّي ممّا أحبّ فاجعله فراغا لي فيما يحبّ » . والقرآن والسّنّة مملوءان بذكر من يحبّ اللّه سبحانه من عباده . وذكر من يحبّه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم . فلا يلتفت إلى من أوّل محبّته تعالى لعباده بإحسانه إليهم وإعطائهم الثّواب ، ومحبّة العباد له تعالى بمحبّته طاعته والازدياد من الأعمال لينالوا به الثّواب ، فإنّ هذا التّأويل يؤدّي إلى إنكار المحبّة . ومتى بطلت مسألة المحبّة بطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان ، وتعطّلت منازل السّير ، فإنّها روح كلّ مقام ومنزلة وعمل ، فإذا خلا منها فهو ميّت ، ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها ، بل هي حقيقة الإخلاص ، بل هي نفس الإسلام ؛ فإنّه الاستسلام بالذّلّ والحبّ والطّاعة للّه . فمن لا محبّة له لا إسلام له البتّة . ومراتب المحبّة عشرة : الأوّل العلاقة والإرادة والصّبابة . والغرام وهو الحبّ اللّازم للقلب ملازمة الغريم لغريمه . ثمّ الودّ وهو صفو المحبّة وخالصها ولبّها . ثمّ الشّغف ، شغف بكذا فهو مشغوف ، أي وصل الحبّ شغاف قلبه : وهو جلدة رقيقة على القلب . ثمّ العشق وهو الحبّ المفرط الّذي يخاف على صاحبه منه ، وبه فسّر وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ البقرة : 286 . ثمّ التّتيّم وهو المحبّة والتّذلّل ، تيّمه الحبّ أي عبّده وذلّله وتيم اللّه عبد اللّه . ثمّ التّعبّد وهو فوق التّتيّم ، فإنّ العبد الّذي « 1 » ملك المحبوب رقّه فلم يبق له شيء من نفسه البتّة ، بل كلّه لمحبوبه ظاهرا وباطنا . ولمّا كمّل سيّد ولد آدم هذه المرتبة وصفه اللّه بها في أشرف مقاماته بقوله : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا الإسراء : 1 ، وفي مقام الدّعوة : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ الجنّ : 19 ، وفي مقام التّحدّي : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا البقرة : 23 ، وبذلك استحقّ التّقدّم على الخلائق في الدّنيا والآخرة . العاشر : مرتبة الخلّة الّتي انفرد بها الخليلان إبراهيم ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام ؛ كما صحّ عنه « إنّ اللّه « 2 » اتّخذني خليلا كما اتّخذ إبراهيم خليلا » ، وقال : « لو كنت متّخذا من أهل الأرض خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا

--> ( 1 ) هو خبر إنّ . ( 2 ) رواه الطبراني كما في الجامع الصغير ، وفي شرحه أن اسناده ضعيف .