مجمع البحوث الاسلامية
579
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تكون أمكن ، وإذا حصلت هذه المحبّة بعثت على الطّاعات والموافقات . فقد تحصّل من ذلك أنّ محبّة العبد لربّه سبحانه ممكنة بل واقعة من كلّ مؤمن ، فهي من لوازم الإيمان وشروطه ، والنّاس فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم . وإذا كان كذلك وجب تفسير محبّة العبد للّه عزّ وجلّ بمعناها الحقيقيّ لغة ، وكانت الطّاعات والموافقات كالمسبّب عنها والمغاير لها . ألا ترى إلى الأعرابيّ الّذي سأل عن « السّاعة » فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها كبير عمل ولكن حبّ اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال عليه الصّلاة والسّلام : المرء مع من أحبّ » . فهذا ناطق بأنّ المفهوم من المحبّة للّه تعالى غير الأعمال والتزام الطّاعات ، لأنّ الأعرابيّ نفاها وأثبت الحبّ ، وأقرّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك ، ثمّ أثبت إجراء محبّة العبد للّه تعالى على حقيقتها لغة ، والمحبّة إذا تأكّدت سمّيت عشقا ، فهو المحبّة البالغة المتأكّدة . والقول بأنّه عبارة عن المحبّة فوق قدر المحبوب ، فيكفر من قال : أنا عاشق للّه تعالى أو لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم - كما قال له بعض ساداتنا الحنفيّة - في حيّز المنع عندي . والمعترفون بتصوّر محبّة العبد للّه عزّ شأنه بالمعنى الحقيقيّ ينسبون المنكرين إلى أنّهم جهلوا فأنكروا ، كما أنّ الصّبيّ ينكر على من يعتقد أنّ وراء اللّعب لذّة من جماع أو غيره ، والمنهمك في الشّهوات والغرام بالنّساء يظنّ أن ليس وراء ذلك لذّة من رئاسة أو جاه أو نحو ذلك ، وكلّ طائفة تسخر ممّا فوقها وتعتقد أنّهم مشغولون في غير شيء . قال حجّة الإسلام الغزاليّ روّح اللّه تعالى روحه : والمحبّون للّه تعالى يقولون لمن أنكر عليهم ذلك : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ هود : 38 . انتهى ، مع أدنى زيادة ولم يتكلّم على معنى محبّة اللّه تعالى للعبد ، وأنت تعلم أنّ ذلك من المتشابه ، والمذاهب فيه مشهورة ، وقد قدّمنا طرفا من الكلام في هذا المقام ، فتذكّر . ( 6 : 162 ) القاسميّ : مذهب السّلف في المحبّة المسندة له تعالى ، أنّها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا تأويل ، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها ، كما تقدّم في الفاتحة في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . فتأويل مثل الزّمخشريّ لها بإثابته تعالى لهم أحسن الثّواب ، وتعظيمهم والثّناء عليهم والرّضا عنهم ، تفسير باللّازم ، منزع كلاميّ لا سلفيّ . وقد أنكر الزّمخشريّ أيضا كون محبّة العباد للّه حقيقيّة ، وفسّرها بالطّاعة وابتغاء المرضاة . [ ثمّ ردّ كلام الزّمخشريّ بما تقدّم عن « الانتصاف » في كلام الآلوسيّ ] ( 6 : 2037 ) رشيد رضا : وصف اللّه هؤلاء الكملة من المؤمنين بستّ صفات : الأولى : أنّه تعالى يحبّهم ، فالحبّ من الصّفات الّتي أسندت إلى اللّه تعالى في كتابه وعلى لسان نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو تعالى يحبّ ويبغض كما يليق بشأنه ، ولا يشبه حبّه حبّ البشر ، لأنّه لا يشبه البشر لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشّورى : 11 ، وكذلك علمه لا يشبه علم البشر ولا قدرته تشبه قدرتهم . ولا نتأوّل حبّه بالإثابة وحسن