مجمع البحوث الاسلامية

566

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

المتعلّق برسوله والحبّ المتعلّق بالآباء والأبناء والأموال وغيرها جميعا من سنخ واحد ، لمكان قوله : أَحَبَّ إِلَيْكُمْ وأفعل التّفضيل يقتضي اشتراك المفضّل والمفضّل عليه في أصل المعنى ، واختلافهما من حيث الزّيادة والنّقصان . ثمّ إنّ الآية ذمّت المتّخذين للأنداد ، بقوله : يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ثمّ مدح المؤمنين بأنّهم أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ سبحانه ، فدلّ التّقابل بين الفريقين على أنّ ذمّهم إنّما هو لتوزيعهم المحبّة الإلهيّة بين اللّه وبين الأنداد الّذين اتخّذوهم أندادا . وهذا وإن كان بظاهره يمكن أن يستشعر منه أنّهم لو وضعوا له سبحانه سهما أكثر لم يذمّوا على ذلك ، لكن ذيل الآية ينفي ذلك ، فإنّ قوله : إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً البقرة : 165 ، وقوله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ البقرة : 166 ، وقوله : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ البقرة : 167 ، يشهد بأنّ الذّمّ لم يتوجّه إلى الحبّ من حيث إنّه حبّ ، بل من جهة لازمه الّذي هو الاتّباع . وكان هذا الاتّباع منهم لهم لزعمهم أنّ لهم قوّة يتقوّون بها لجلب محبوب أو دفع مكروه عن أنفسهم ، فتركوا بذلك إتّباع الحقّ من أصله أو في بعض الأمر ، وليس من اتّبع اللّه في بعض أمره دون بعض بمتّبع له ، وحينئذ يندفع الاستشعار المذكور ، ويظهر أنّ هذا الحبّ يجب أن لا يكون للّه فيه سهيم وإلّا فهو الشّرك ، واشتداد هذا الحبّ ملازم لانحصار التّبعيّة من أمر اللّه ، ولذلك مدح المؤمنين بذلك في قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ . وإذ كان هذا المدح والذّمّ متعلّقا بالحبّ ، من جهة أثره الّذي هو الاتّباع ، فلو كان الحبّ للغير بتعقيب إطاعة اللّه تعالى في أمره ونهيه ، لكون الغير يدعو إلى طاعته تعالى - ليس له شأن دون ذلك - لم يتوجّه إليه ذمّ ألبتّة ، كما قال تعالى : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ إلى قوله : أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ التّوبة : 24 ، فقرّر لرسوله حبّا كما قرّره لنفسه ، لأنّ حبّه عليه السّلام حبّ اللّه تعالى ، فإنّ أثره وهو الاتّباع عين اتّباع اللّه تعالى ، فإنّ اللّه سبحانه هو الدّاعي إلى إطاعة رسوله والآمر باتّباعه ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ النّساء : 64 ، وقال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران : 31 ، وكذلك اتّباع كلّ من يهتدي إلى اللّه باتّباعه ، كعالم يهدي بعلمه أو آية تعين بدلالته وقرآن يقرّب بقراءته ونحو ذلك ، فإنّها كلّها محبوبة بحبّ اللّه ، واتّباعها طاعة تعدّ مقرّبة إليه . فقد بان بهذا البيان أنّ من أحبّ شيئا من دون اللّه ابتغاء قوّة فيه فاتّبعه في تسبيبه إلى حاجة ينالها منه ، أو اتّبعه بإطاعته في شيء لم يأمر اللّه به ، فقد اتّخذ من دون اللّه أندادا وسيريهم اللّه أعمالهم حسرات عليهم ، وأنّ المؤمنين هم الّذين لا يحبّون إلّا اللّه ، ولا يبتغون قوّة إلّا من عند اللّه ، ولا يتّبعون غير ما هو من أمر اللّه ونهيه ، فأولئك هم المخلصون للّه دينا . وبان أيضا أنّ حبّ من حبّه من حبّ اللّه ، واتّباعه اتّباع اللّه كالنّبيّ وآله والعلماء باللّه ، وكتاب اللّه وسنّة