مجمع البحوث الاسلامية
567
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نبيّه ، وكلّ ما يذكر اللّه بوجه إخلاص للّه ليس من الشّرك المذموم في شيء ، والتّقرّب بحبّه واتّباعه تقرّب إلى اللّه ، وتعظيمه بما يعدّ تعظيما من تقوى اللّه ، قال تعالى : وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ الحجّ : 32 ، والشّعائر هي العلامات الدّالّة ، ولم يقيّد بشيء مثل الصّفا والمروة وغير ذلك ، فكلّ ما هو من شعائر اللّه وآياته وعلاماته المذكّرة له ، فتعظيمه من تقوى اللّه ، ويشمله جميع الآيات الآمرة بالتّقوى . نعم لا يخفى لذي مسكة أنّ إعطاء الاستقلال لهذه الشّعائر والآيات في قبال اللّه ، واعتقاد أنّها تملك لنفسها أو غيرها نفعا أو ضرّا أو موتا أو حياة أو نشورا ، إخراج لها عن كونها شعائر وآيات ، وإدخال لها في حظيرة الألوهيّة ، وشرك باللّه العظيم ، والعياذ باللّه تعالى . ( 1 : 405 ) 2 - زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ . . . آل عمران : 14 الفخر الرّازيّ : حُبُّ الشَّهَواتِ فيه أبحاث ثلاثة : الأوّل : أنّ الشّهوات هاهنا هي الأشياء المشتهيات . . . البحث الثّاني : قال المتكلّمون : دلّت هذه الآية على أنّ الحبّ غير الشّهوة ، لأنّه أضاف الحبّ إلى الشّهوة والمضاف غير المضاف إليه ، والشّهوة من فعل اللّه تعالى ، والمحبّة من أفعال العباد ، وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كلّ غرضه وعيشه في طلب اللّذّات والطّيّبات . البحث الثّالث : قالت الحكماء : الإنسان قد يحبّ شيئا ولكنّه يحبّ أن لا يحبّه ، مثل المسلم فإنّه قد يميل طبعه إلى بعض المحرّمات لكنّه يحبّ أن لا يحبّ . وأمّا من أحبّ شيئا وأحبّ أن يحبّه ، فذاك هو كمال المحبّة . فإن كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السّعادة ، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السّلام : إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ ص : 32 . ومعناه أحبّ الخير وأحبّ أن أكون محبّا للخير . وإن كان ذلك في جانب الشّرّ ، فهو كما قال في هذه الآية ، فإنّ قوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ يدلّ على أمور ثلاثة مرتّبة : أوّلها : أنّه يشتهي أنواع المشتهيات ، وثانيها : أنّه يحبّ شهوته لها ، وثالثها : أنّه يعتقد أنّ تلك المحبّة حسنة وفضيلة ، ولمّا اجتمعت في هذه القضيّة الدّرجات الثّلاث بلغت الغاية القصوى في الشّدّة والقوّة ، ولا يكاد ينحلّ إلّا بتوفيق عظيم من اللّه تعالى . ثمّ إنّه تعالى أضاف ذلك إلى ( النّاس ) وهو لفظ عامّ دخله حرف التّعريف فيفيد الاستغراق ، فظاهر اللّفظ يقتضي أنّ هذا المعنى حاصل لجميع النّاس ، والعقل أيضا يدلّ عليه ، وهو أنّ كلّ ما كان لذيذا ونافعا فهو محبوب ومطلوب لذاته . واللّذيذ النّافع قسمان : جسمانيّ وروحانيّ ، والقسم الجسمانيّ حاصل لكلّ أحد في أوّل الأمر ، وأمّا القسم الرّوحانيّ فلا يكون إلّا في الإنسان الواحد على سبيل النّدرة ، ثمّ ذلك الإنسان إنّما يحصل له تلك اللّذّة الرّوحانيّة بعد استئناس النّفس باللّذّات الجسمانيّة ، فيكون انجذاب النّفس إلى اللّذّات الجسمانيّة كالملكة