مجمع البحوث الاسلامية
561
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بعض ، كما قال تعالى : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ البقرة : 166 ، ويكون حاصل أمرهم الفرقة والعداوة والتّبرّي ، كقوله : يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ الزّخرف : 38 ، وقوله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ الزّخرف : 67 . إذا تحقّقت ما ذكرناه وفهمت ما مهّدناه فاعلم أنّ المراد من قوله : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ يس : 74 ، هو اتّخاذ ما سوى اللّه للمحبّة النّفسانيّة الّتي ترجع إلى عبادة الصّور الوهميّة ، إذ من أحبّ غير اللّه فهو لا يزال يعبده ويخدمه ويتوصّل إليه ، ويتحرّى الطّريق إلى وصلته ، والتّقرّب منه والاتّحاد به ، ويتصوّر أنّ الوصول إليه يستلزم النّصرة له ، ويدخل السّرور في قلبه ، ويوجب له اللّذّة الوافرة والسّكون والرّاحة والطّمأنينة . وهذا حال أكثر النّاس في المستلذّات الحسّيّة ، مثل الأهل ، والمال ، والولد ، والجاه ، والرّفعة ، والاشتهار ، والصّيت ، وتقرّب الملوك والسّلاطين ، وهكذا حال من يتولّى الشّياطين ويحبّ أهل الملل الباطلة وأصحاب الأديان الفاسدة ، وكذا كلّ من يعتقد شيخا وإماما تعصّبا وافتخارا لا من جهة المحبّة الإيمانيّة والمحبّة الإلهيّة وطلب الاهتداء باللّه وتحصيل المعرفة واليقين ، فإنّ الجميع متّخذون من دون اللّه آلهة عابدون إيّاها ، لاغترارهم بظنونهم الفاسدة : أنّ هذه الآلهة الباطلة ينصرونهم من دون اللّه . وذلك لجهلهم بالمعارف الحقّة ، وإعراضهم عن ذكر اللّه والتّدبّر في آياته وأفعاله ، كما في قوله تعالى : بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ * بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ الأنبياء : 42 - 44 ، ومن عرف اللّه وعرف صفاته وأفعاله ، ونظر إلى الأشياء بنظر التّوحيد الأفعاليّ ، يقول لهؤلاء المتّخذين غير اللّه مخدومين معبودين : أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ الأنبياء : 67 . ويعلم أن لا هادي ولا معطي إلّا اللّه ، وأن لا يستطيع أحد نصره إلّا اللّه ، ولا يشفع له شفاعة إلّا بإذن اللّه ، كما قال تعالى : لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ يس : 75 ، وكقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ البقرة : 255 . ( 5 : 334 ) الآلوسيّ : يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ إمّا جملة مستأنفة أو صفة « الأنداد » ، أو صفة ل ( من ) إذا جعلتها نكرة موصوفة مسوقة لبيان وجه الاتّخاذ ، والمحبّة ميل القلب من « الحبّ » واحد الحبوب ، استعير لحبّة القلب وسويدائه ، ثمّ اشتقّ منه « الحبّ » لأنّه يؤثّر في صميم القلب ويرسخ فيه ، ومحبّة العباد للّه تعالى عند جمهور المتكلّمين نوع من الإرادة ، سواء قلنا : إنّها نفس الميل التّابع لاعتقاد النّفع كما هو رأي المعتزلة ، أو صفة مرجّحة مغايرة له كما هو مذهب أهل السّنّة ، فلا تتعلّق إلّا بالجائزات ، ولا يمكن تعلّقها بذاته تعالى . فمحبّة العبد له سبحانه إرادة طاعته وتحصيل مراضيه ، وهذا مبنيّ على انحصار المطلوب بالذّات في اللّذّة ورفع الألم . والعارفون باللّه سبحانه قالوا : إنّ الكمال أيضا