مجمع البحوث الاسلامية

562

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

محبوب لذاته ، فالعبد يحبّ اللّه تعالى لذاته ، لأنّه الكامل المطلق الّذي لا يداني كماله كمال ، وأمّا محبّة خدمته وثوابه فمرتبة نازلة ، ومحبّة اللّه تعالى للعباد صفة له عزّ شأنه لا تتكيّف ولا يحوم طائر الفكر حول حماها ، وقيل : إرادة إكرامه واستعماله في الطّاعة وصونه عن المعاصي . والمراد بالمحبّة هنا : التّعظيم والطّاعة ، أي أنّهم يسوّون بين اللّه تعالى وبين الأنداد المتّخذة فيعظّمونهم ، ويطيعونهم ، كما يعظّمون اللّه تعالى ويميلون إلى طاعته ، وضمير الجمع المنصوب راجع إلى « الأنداد » . فإن أريد بها الرّؤساء فواضح ، وإلّا فالتّعبير عنها بضمير العقلاء باعتبار ذلك الزّعم الباطل ، أنّهم أنداد اللّه تعالى ، والمصدر المضاف من المبنيّ للفاعل وفاعله ضميرهم بقرينة سبق الذّكر ، وإنّ المشركين يعترفون به تعالى ، ويلجأون إليه في الشّدائد وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لقمان : 25 ، فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ العنكبوت : 65 . وقيل وهو الخلاف الظّاهر وعدول عمّا يقتضيه : كون جملة يُحِبُّونَهُمْ بيانا لوجه الاتّخاذ ، إنّه مصدر المبنيّ للمفعول ، واستغني عن ذكر من يحبّ لأنّه غير ملبّس ، والمعنى على تشبيه محبوبيّة الأنداد من جهة المشركين بمحبوبيّته تعالى من جهة المؤمنين ، ولا ينافي ذلك قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لأنّ التّشبيه إنّما وقع بين المحبوبيّتين ، وذلك يقتضي أن يكون محبوبيّة الأصنام مماثلا لمحبوبيّته تعالى ، والتّرجيح بين المحبّتين لكن باعتبار رسوخ إحداهما دون الأخرى . فإنّ المراد بشدّة محبّة المؤمنين : شدّتها في المحلّ وهو رسوخها فيهم وعدم زوالها عنهم بحال ، لا كمحبّة المشركين لآلهتهم حيث يعدلون عنها إلى اللّه تعالى عند الشّدائد ، ويتبرّؤون منها عند معاينة الأهوال ، ويعبدون الصّنم زمانا ثمّ يرفضونه إلى غيره وربّما أكلوه ، كما يحكى : « أنّ « باهلة » كانت لهم أصنام من حيس فجاعوا في قحط أصابهم فأكلوها . وللّه أبوهم فإنّه لم ينتفع مشرك بآلهته كانتفاع هؤلاء بها ، فإنّهم ذاقوا حلاوة الكفر ، وليس المراد من شدّة المحبّة : شدّتها ، وقوّتها في نفسها ، ليرد أنّا نرى الكفّار يأتون بطاعات شاقّة لا يأتي بشيء منها أكثر المؤمنين ، فكيف يقال : إنّ محبّتهم أشدّ من محبّتهم ، ومن هذا ظهر وجه اختيار أَشَدُّ حُبًّا على « أحبّ » ، إذ ليس المراد الزّيادة في أصل الفعل بل الرّسوخ والثّبات وهو ملاك الأمر ، ولهذا نزل فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ هود : 112 ، وكان أحبّ الأعمال إليه صلّى اللّه عليه وسلّم أدومها . وقال العلّامة : عدل عن « أحبّ » إلى « أشدّ » ، لأنّه شاع في الأشدّ محبوبيّة ، فعدل عنه احترازا عن اللّبس . وقيل : إنّ « أحبّ » أكثر من « حبّ » ، فلو صيغ منه « أفعل » لتوهّم أنّه من المزيد . ( 2 : 34 ) رشيد رضا : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أي يجعلون من بعض خلق اللّه نظراء له فيما هو خاصّ به يحبّونهم كحبّه ؛ ذلك أنّ الحبّ ضروب شتّى تختلف باختلاف أسبابها وعللها ، وكلّها ترجع إلى الأنس بالمحبوب أو الرّكون ، والالتجاء إليه عند الحاجة . فقد يحبّ الإنسان شخصا لأنّه يأنس به