مجمع البحوث الاسلامية
342
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
يجهلون أنّه الحقّ من اللّه - عن ابن عبّاس وغيره - يجهلون أنّ ذلك كذلك ويحسبون أنّ الإيمان بيدهم ، يجهلون أنّه لو أوتوا بكلّ آية ما آمنوا طوعا ، يجهلون أنّ هؤلاء لا يؤمنون إلّا أن يضطرّهم . . . ، يجهلون أنّ الآية تقتضي إيمانهم ، يجهلون أنّ اللّه قادر على ذلك . . . ، يجهلون أنّه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة ، يجهلون أنّ الكلّ من اللّه وبقضائه وبقدره ، يجهلون أنّهم يبقون كفّارا عند ظهور الآيات الّتي طلبوها ، يجهلون ربّهم . . . ، يجهلون زيف الكفّار في دعواهم ، يجهلون قدرة اللّه على تحقّق ذلك ونحوها . فنراهم ساعين في تقدير المفعول للفعل حسب ذوقهم ، ومن بينهم نرى الشّيخ مغنيّة أصاب في رأيه ؛ حيث قال : « يجهلون ولا ينتبهون أنّهم الفئة الباغية الّتي لا يجدي معها منطق العقل والفطرة ، ولا منطق الدّين والإنسانيّة ، ولا شيء إلّا القهر والغلبة ، فمن الخطأ والضّياع أن يخاطب هؤلاء بلغة العلم والإنسانيّة » . وأراد بذلك أنّهم سفهاء وليسوا بعقلاء . وقالوا في ( 1 ) : قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ عن ابن عبّاس : تجهلون أمر ربّكم ، جهلتم نعمة ربّكم فيما صنع بكم . وعن الجبّائيّ وغيره : تجهلون ربّكم وعظمته وصفاته . . ، وعن الطّوسيّ : تجهلون من المستحقّ للعبادة ، تجهلون مقام التّوحيد وما يجب من تخصيص اللّه بالعبادة بلا واسطة ، تجهلون مقام ربّكم ، تجهلون قدرة اللّه ، تجهلون اللّه ولا تعرفون ذاته المقدّسة ، تجهلون العلل الأصليّة للحوادث ، تجهلون ما وراء الطّبيعة . ولكنّا نجد منهم من كاد أن يقترب من الحقّ ولم يصبه كالفخر الرّازيّ والزّمخشريّ ؛ حيث فسّروه بالجهل المطلق ، لأنّه لا جهل أعظم ممّا رأى منهم ولا أشنع ، وأضاف الآلوسيّ : « حيث لم يذكر له متعلّقا ومفعولا لتنزيله منزلة اللّازم ، أو لأنّ حذفه يدلّ على عموميّته ، أي تجهلون كلّ شيء » . وهكذا قالوا في ( 2 ) : وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ : تجهلون أمر اللّه ، تجهلون ربوبيّة ربّكم وعظمته ، تجهلون الواجب عليكم من حقّ اللّه ، تجهلون في أنّهم خير منكم لإيمانهم وكفركم ، تجهلون لقاء ربّكم ، تجهلون الحقّ وأهله ، تجهلون أنّ النّاس إنّما يتفاضلون بالدّين لا بالدّنيا ، تجهلون بالعواقب ، تجهلون بكلّ ما ينبغي أن يعلم ، واحتمل الآلوسيّ فيها أن يكون الجهل : الجناية على الغير لا بمعنى عدم العلم ! ! وقد قارب الحقّ « المكارم » حيث فسّره بأنّهم ضيّعوا الفضيلة ، لكنّه لم يخلص من جعل « الجهل » بمعنى عدم العلم والمعرفة . وقالوا في ( 3 ) بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ : تجهلون أمر اللّه ، تجهلون العاقبة ، أو بأنّها فاحشة ، قاله الزّمخشريّ ، وبذلك دفع شبهة الخلاف بين ( تبصرون ) و ( تجهلون ) في الآية ، وقبلها بأنّهم يفعلون فعل الجاهلين بأنّها فاحشة ، مع علمهم بذلك ، لكنّه أصاب الحقّ في ذيل كلامه ، كما سيأتي . وكذلك الباقون ذكروا في الآيات مفعولا للفعل ، إلّا الطّبريّ حيث قال : « ما ذلك منكم إلّا أنّكم قوم سفهاء جهلة بعظيم حقّ اللّه سبحانه عليكم » ومع ذلك أضاف إلى ( السّفهاء ) ( جهلة ) ، واحتمله الزّمخشريّ فقال : « أراد