مجمع البحوث الاسلامية
316
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
يوصف بأنّه جاهل بأنّه تعالى لو شاء لجمعهم على الهدى ، لأنّ هذا من قبيل الدّين والعقائد ، فلا يجوز أن يكون جاهلا بها . [ ثمّ ذكر بعض الأقوال المتقدّمة إلى أن قال : ] وقيل : الرّسول معصوم من الجهل والشّكّ بلا خلاف ، ولكنّ العصمة لا تمنع الامتحان بالأمر والنّهي ، أو لأنّ ضيق صدره وكثرة حزنه من الجبلّات البشريّة ، وهي لا ترفعها العصمة بدليل « اللّهمّ إنّي بشر وإنّي أغضب كما يغضب البشر » الحديث ، وقوله : « إنّما أنا بشر فإذا نسيت فذكّروني » انتهى . والّذي أختاره أنّ هذا الخطاب ليس للرّسول ، وذلك أنّه تعالى قال : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فهذا إخبار وعقد كلّيّ أنّه لا يقع في الوجود إلّا ما شاء وقوعه ، ولا يختصّ هذا الإخبار بهذا الخطاب بالرّسول بل الرّسول عالم بمضمون هذا الإخبار ، فإنّما ذلك للسّامع ، فالخطاب والنّهي في ( فلا تكوننّ ) للسّامع دون الرّسول . فكأنّه قيل : ولو شاء اللّه أيّها السّامع الّذي لا يعلم أنّ ما وقع في الوجود بمشيئة اللّه جمعهم على الهدى لجمعهم عليه فلا تكوننّ أيّها السّامع من الجاهلين ، بأنّ ما شاء اللّه إيقاعه وقع ، وأنّ الكائنات معذوقة بإرادته . ( 4 : 115 ) أبو السّعود : نهي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عمّا كان عليه من الحرص الشّديد على إسلامهم ، والميل إلى إتيان ما يقترحونه من الآيات طمعا في إيمانهم ، مرتّب على بيان عدم تعلّق مشيئته تعالى بهدايتهم . والمعنى وإذا عرفت تعالى لم يشأ هدايتهم وإيمانهم بأحد الوجهين ، فلا تكوننّ بالحرص الشّديد على إسلامهم أو الميل إلى نزول مقترحاتهم من الجاهلين بدقائق شؤونه تعالى ، الّتي من جملتها ما ذكر من عدم تعلّق مشيئته تعالى بإيمانهم ، إمّا اختيارا فلعدم توجّههم إليه ، وإمّا اضطرارا فلخروجه عن الحكمة التّشريعيّة المؤسّسة على الاختيار . ويجوز أن يراد ب ( الجاهلين ) على الوجه الثّاني : المقترحون ، ويراد بالنّهي : منعه عليه الصّلاة والسّلام من المساعدة على اقتراحهم ، وإيرادهم بعنوان الجهل دون الكفر ونحوه ، لتحقيق مناط النّهي الّذي هو الوصف الجامع بينه عليه الصّلاة والسّلام وبينهم . ( 2 : 378 ) نحوه القاسميّ . ( 6 : 2294 ) البروسويّ : [ نحو الطّبريّ وأضاف : ] وفي الآية تربية وتأديب للنّبيّ عليه السّلام من اللّه تعالى ، كما قال عليه السّلام : « إنّ اللّه أدّبني فأحسن تأديبي » لئلّا يبالغ في الشّفقة على غير أهلها . ( 3 : 26 ) الآلوسيّ : [ نحو أبي السّعود ، ورجّحه على قول الجبّائيّ وأضاف : ] وفي خطابه سبحانه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا الخطاب دون خطابه بما خوطب به نوح عليه السّلام من قوله سبحانه : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ هود : 46 ، إشارة إلى مزيد شفقته صلّى اللّه عليه وسلّم واشتباب حرصه عليه الصّلاة والسّلام . ( 7 : 139 ) مغنيّة : وكيف يكون الرّسول الأعظم من الجاهلين ، وأخلاقه أخلاق القرآن ؟ ! وإنّما ساغ هذا الخطاب لأشرف الخلق ، لأنّه من خالق الخلق ، لا من النّظير والمثيل . ( 3 : 183 )