مجمع البحوث الاسلامية
313
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إليه ، لكنّه استعاذ من السّبب الموجب له ، كما قد يقول الرّجل عند مثل ذلك : أعوذ باللّه من عدم العقل وغلبة الهوى . والحاصل أنّه أطلق اسم السّبب على المسبّب مجازا ، هذا هو الوجه الأقوى . وثانيها : أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدّين من العقاب الشّديد والوعيد العظيم ، فإنّي متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء . وثالثها : قال بعضهم : إنّ نفس « الهزء » قد يسمّى جهلا وجهالة ، فقد روي عن بعض أهل اللّغة أنّ الجهل ضدّ الحلم ، كما قال بعضهم : إنّه ضدّ العلم . ( 3 : 118 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 1 : 341 ) البيضاويّ : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ] نفى به عن نفسه ما رمي به ، على طريقة البرهان ، وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة استفظاعا له . ( 1 : 62 ) مثله الشّربينيّ ( 1 : 68 ) ، ونحوه أبو السّعود ( 1 : 144 ) . النّسفيّ : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ] وفيه تعريض بهم ، أي أنتم جاهلون حيث نسبتموني إلى الاستهزاء . ( 1 : 54 ) أبو حيّان : لمّا فهم موسى عليه السّلام عنهم أنّ تلك المقالة الّتي صدرت عنهم إنّما هي لاعتقادهم فيها ، أنّه أخبر عن اللّه بما لم يأمر به ، استعاذ باللّه ، وهو الّذي أخبر عنه أن يكون من الجاهلين باللّه ، فيخبر عنه بأمر لم يأمر به تعالى ؛ إذ الإخبار عن اللّه تعالى بما لم يخبر به اللّه إنّما يكون ذلك من الجهل باللّه تعالى . وقوله : مِنَ الْجاهِلِينَ فيه تصريح أنّ ثمّ جاهلين ، واستعاذ باللّه أن يكون منهم ، وفيه تعريض أنّهم جاهلون . وكأنّه قال : أن أكون منكم ، لأنّهم جوّزوا على من هو معصوم من الكذب ، وخصوصا في التّبليغ عن اللّه أن يخبر عن اللّه بالكذب . قالوا : والجهل بسيط ومركّب ، البسيط : عامّ وخاصّ ، العامّ : عدم العلم بشيء من المعلومات ، والخاصّ : عدم العلم ببعض المعلومات ، والمركّب : أن يجهل ويجهل أنّه يجهل . فالعامّ والمركّب لا يوصف بهما من له بعض علم فضلا عن نبيّ شرّف بالرّسالة والتّكليم ، وذلك مستحيل عليه ، فيستحيل أن يستعيذ منه إلّا على سبيل الأدب . فالّذي استعاذ منه موسى هو خاصّ ، وهو المفضي إلى أن يخبر عن اللّه تعالى مستهزئا ، أو المقابل لجهلهم فقالوا : أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً لمن يخبرهم عن اللّه ، أو معناه الاستهزاء بالمؤمنين ، فإنّ ذلك جهل ، أو من الجاهلين بالجواب لا على وفق السّؤال ؛ إذ ذاك جهل ، والأمر من تلقاء نفسي وأنسبه إلى اللّه ، والخروج عن جواب السّائل المسترشد إلى الهزء ، وهذه الوجوه السّتّة مستحيلة على موسى . ( 1 : 250 ) الكاشانيّ : أنسب إلى اللّه ما لم يقل لي ، أعارض أمر اللّه بقياسي ، على ما شاهدت ، دافعا القول للّه عزّ وجلّ وأمره . ( 1 : 126 ) البروسويّ : لأنّ الهزء في أثناء تبليغ أمر اللّه جهل وسفه ، ودلّ أنّ الاستهزاء بالدّين كبيرة ، وكذلك بالمسلمين ومن يجب تعظيمه وأنّ ذلك جهل ، وصاحبه مستحقّ للوعيد ، وليس المزاح من الاستهزاء . ( 1 : 158 )