مجمع البحوث الاسلامية

186

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

اجنّة 196 - الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى النّجم : 32 ويلاحظ أوّلا : ( 1 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً فيها بحوث : 1 - هناك فرق بين ( جنّه اللّيل وأجنّه ) وبين جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ كما في الآية ، فإنّ هذا يفيد الإحاطة كالمظلّة ، خلافا لابن دريد حيث قال : « جنّه اللّيل وأجنّه وجنّ عليه ، إذا ستره وغطّاه في معنى واحد » فالآية تمثّل وترسم لنا حالة إحاطة الظّلمة على الجوّ ، وكأنّ الطّبرسيّ أشار إليه ؛ حيث قال : « أي أظلم عليه وستر بظلامه كلّ ضياء » . 2 - ويترتّب على هذه الحالة تنوير وإضاءة الكوكب بكماله وجلاءه أزيد من غيره ، فهذا أيضا تمثيل آخر متمّم لتلك الحالة . 3 - جاء بدل ( نجم ) ( كوكب ) وهو اسم للكبير من النّجوم . وكوكب كلّ شيء : معظمه ، ولهذا جاء في قصّة يوسف : 4 إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ، وفي آية النّور : 35 كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ . 4 - وكأنّ تنكير ( كوكب ) للتّعظيم والتّشخيص ، تتميما لرسم تلك الحالة . 5 - أهل التّأويل أوّلوا الآية بما يناسب مسلكهم ، فقال الآلوسيّ : « أي أظلم عليه ليل عالم الطّبيعة الجسمانيّة في صباه وأوّل شبابه » . ونظيره عن الغزاليّ في قصّة يوسف : « أنّه حمل الكوكب على النّفس الحيوانيّة ، والقمر على النّفس النّاطقة الفلكيّة ، والشّمس على العقل المجرّد لكلّ فلك . وعن بعضهم أنّه حمل الكوكب على الحسّ ، والقمر على الخيال والوهم ، والشّمس على العقل المجرّد » . هذه تأويلات لو صحّت لما ناقضت التّنزيل ، لاحظ « كوكب » . 6 - وفي الآية بحث طويل في وجه اعتراف إبراهيم عليه السّلام بأنّ الكوكب والقمر والشّمس ربّا له . وفي احتجاجه بأفولها على نفي ربوبيّتها تسجيل للتّوحيد ، لاحظ « إبراهيم » و « ر ب ب » و « ح ج ج » . ثانيا : جاء ( جانّ ) في ( 2 و 3 ) وكلاهما في عصا موسى عليه السّلام بمعنى الحيّة ، تشبيها بالجنّ في هيئته السّرّيّة المخيفة ، وفي ( 4 - 8 ) بمعنى الجنّ عدلا للإنس ، وفيها بحوث : 1 - جاء بالمعنى الأوّل نكرة تهويلا وتخويفا بسياق واحد ، تمهيدا لبيان خوف موسى ؛ بحيث ولّى مدبرا ولم يعقّب حتّى آمن اللّه خيفته وطمأنه بقوله : يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ القصص : 31 ، و يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ النّمل : 10 . 2 - قد جاء في القرآن ذكر عصا موسى بعد انقلابها حيّة بثلاثة ألفاظ : أحدها : ( جانّ ) في الآيتين . ثانيها : ( ثعبان ) في آيتين أيضا : فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ * الأعراف : 107 ، والشّعراء : 32 . ثالثها : ( حيّة ) مرّة في فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ