مجمع البحوث الاسلامية

740

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الاستعمال القرآنيّ جاء منها لفظ واحد اسم مكان ، جمعا في سورة مدنيّة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ المجادلة : 11 يلاحظ أوّلا : أنّ الجلوس والقعود متقاربان معنى ، فهما يحكيان حالة الاستقرار على الأرض بين القيام والاستلقاء ، فقيل : إنّهما مترادفان ، وقيل : الفرق بينهما أنّ الجلوس : الانتقال من الاستلقاء ، والقعود : الانتقال من القيام ، ولا شاهد على الأوّل من القرآن لو لم يكن شاهدا على خلافه ، فإنّ المجالس تقال غالبا لمكان الجلوس عن قيام دون استلقاء ، كما أنّ المقاعد كذلك دائما . فلو قيل : إن القعود خاصّ بما يكون عن قيام ، والجلوس مطلق غير مقيّد به ، لكان صوابا . ثانيا : لم يأت من مادّة « الجلوس » في القرآن سوى لفظ واحد مرّة في هذه الآية المدنيّة ، وهو « المجلس » أو « المجالس » على اختلاف القراءة ، مع أنّ « العقود » جاء بصيغ مختلفة 31 مرّة في المكّيّات والمدنيّات ، وكثير منها ولا سيّما المدنيّات منها استعارة عن التّخلّف عن القتال ، مثل فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً النّساء : 95 ، أو غيره مثل : وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً . . . النّور : 60 ، « لاحظ ق ع د » ولم يأت مكانها لفظ من الجلوس ، فكأنّه لا يستعار به عمّا استعير به القعود ، وإنّما يستعمل في معناه اللّغويّ وما بمعناه مجازا ، مثل أنّ المجالس - كما جاء في النّصوص - قد أطلقت على الجماعة باعتبار اجتماعهم في مجلس واحد . ثالثا : اختلفت القراءة فيها مفردا وجمعا - بكسر اللّام ، وشذّ ( المجلس ) بفتح اللّام بمعنى المجلوس - واختار الطّبريّ « الإفراد » لإجماع الحجّة من القرّاء عليه ، لكنّ القراءة المشهورة عندنا : الجمع . وهذا الخلاف له أثر في ما يأتي من الخلاف ، في عمومها وخصوصها . رابعا : اختلفوا في أنّه خاصّ بمجلس النّبيّ أو عامّ لسائر المجالس ؟ وعندنا أنّ نزولها كان في واقعة ذكروها في مجلس النّبيّ إلّا أنّها جاءت بلفظ عامّ ، ونحن نعلم أنّ النّزول لا يخصّص العامّ ، نعم قراءة « المجلس » تنصرف إلى مجلس النّبيّ ، لأنّ اللّام فيه للعهد وإن احتمل الجنس ، بخلاف ( المجالس ) فإنّ اللّام فيها ظاهرة في العموم . وكيف كان فاحتمال أنّها خاصّة بمقاعد القتال - كما قيل - بعيد عن سياقها ، لأنّ الأمر فيها بالتّفسّح والنّشوز لا يناسب مقاعد القتال ، فإنّ المراد بها المعسكرات ، كما قال : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ آل عمران : 121 ، بل يناسب قصّة نزولها أيضا حيث إنّ النّبيّ عليه السّلام أمر بنشوز غير البدريّين عن مجلسه ليخلو المجلس لهم . خامسا : تذييل الآية ب يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ . . . يناسب ما ورد في قصّة نزولها من إقعاد النّبيّ البدريّين مكان غيرهم بعد أمره بنشوزهم ، وهذا يدعونا إلى إكرام العلماء في المجالس ، وتفضيلهم على غيرهم .