مجمع البحوث الاسلامية
725
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الباطن ، من دون التّصريح به ، ثمّ عقّبه باللّين الحاكي عن الاطمئنان والائتمان ، وعمّه للجلود والقلوب جميعا ، ومعنى ذلك أنّ الخوف والاضطراب بالقرآن للّذين يخشون ربّهم بمثابة من الشّدّة والعظمة لا يحكيها سوى اقشعرار الجلود ، فاكتفى بها . أمّا الأمن والاطمئنان فيبصران ويدركان في الجلود والقلوب معا ، ابتداء بالجلود وانتهاء بالقلوب ، عكس ما هو الواقع ، لأنّهما في الجلود محسوسان ، وفي القلوب مدركان . 3 - قال الطّباطبائيّ ( 17 : 256 ) : ( تقشعرّ ) صفة ( الكتاب ) وليس استئنافا ، والاقشعرار تقبّض الجلد تقبّضا شديدا ، لخشية عارضة عن استماع أمر هائل أو رؤيته . . . ولم يذكر « القلوب » عند ذكر الاقشعرار ، لأنّ المراد بالقلوب : النّفوس ، ولا إقشعرار لها وإنّما لها الخشية » وهذا وجه آخر غير ما ذكرناه في اختصاص الاقشعرار بالجلود . 4 - كأنّ التّعبير عن شدّة الخوف والاضطراب باقشعرار الجلود استعارة بليغة نظير : زيد أسد ، من دون أن يقع في الجلود اقشعرار حقيقة . وله نظائر في القرآن ، وفي كلام البلغاء ، لاحظ « قرآن وقلب » . ثامنا : جاء في ( 5 ) من جملة عذاب الّذين كفروا يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ فاختلفوا في ( والجلود ) هل هي عطف على ( ما في بطونهم ) فيكون المعنى يصهر ويذوب ما في بطونهم من الأحشاء وتذوب به جلودهم ، فيتأثّر بها ظاهرهم وباطنهم بالذّوبان ، أو هي فاعل فعل محذوف ( يخرق ) أي ويخرق جلودهم ، لأنّ الجلود لا تذاب بل تخرق وتنكمش على النّار ؟ وقد أثير فيها سؤال : لم أخّرت الجلود عن « ما في البطون » مع أنّ الجلود هي الّتي تمسّ وتتأثّر أوّلا بالنّار ، ومنها تنفد النّار إلى الباطن ؟ والجواب عنه بوجوه : 1 - أنّه لرعاية الفواصل ، وكأنّهم أرادوا بها حرف الدّال ، لكثرته في الفواصل قبلها وبعدها ، مثل : يزيد ، شهيد ، عديد ، حميد ، وإلّا فليس هناك تناسق بينها من حيث الصّيغة ، مع أنّه لا يدوم أيضا ، فقبلها ، يشاء وبعدها : الحريق ، حرير ، أليم ، السّجود . وهذا الأخير يناسب ( الجلود ) وزنا وختاما بالدّال . 2 - أنّه للإشعار بغاية شدّة الحرارة بإيهام أنّ أثرها في الباطن يسبق أثرها في الظّاهر مع أنّ ملابستها على العكس . 3 - أنّ تأثيرها في الظّاهر غنيّ عن البيان ، وإنّما ذكر للإشارة إلى تساويهما ، فقدّم الباطن لأنّه المقصود الأهمّ . 4 - ربّما يخطر بالبال أنّها توهّم أنّ النّار تنبع من باطنهم ، لأنّه موضع النّيّات ، وهي منشأ الشّرور أو الخيرات « إنّما الأعمال بالنّيّات » وهذا مدفوع بأنّ صدر الآية : يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ وهذا صريح في أنّ منشأ العذاب في الظّاهر ، نعم ، هذا لا ينفي أن يكون له منشأ من الباطن أيضا . والّذي يسهّل الخطب أنّ التّمثيل والتّشبيه غالب على أمثال هذه الآية ، فالتّفنّن فيها مسموح ومقبول . تاسعا : جاءت ( جلود ) في ( 6 ) مرّتين أيضا : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ،