مجمع البحوث الاسلامية
726
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وفيها بحوث : 1 - إضافة ( جلود ) جمعا إليهم باعتبار أنّ لكلّ منهم جلدا ، مثل : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ المائدة : 6 ، أو باعتبار أنّ لكلّ منهم - وهو حيّ - جلودا حقيقة ، لأنّ جلد كلّ إنسان يتبدّل دائما ما دام حيّا ، فلعلّ الجلود المتبدّلة في الآخرة هي الّتي تبدّلت في الدّنيا ، وقد صدرت منها المعاصي والسّيّآت . 2 - في تبديل « الجلود » للعذاب سؤال معروف ، وهو أنّ الجلود المبدّلة غير عاصية ، فكيف تعذّب ! ولهم أجوبة أنهاها الفخر الرّازيّ إلى خمسة ؛ أصدقها اثنان : أحدهما : أنّ الجلود لا تعذّب وإنّما النّفوس هي الّتي تذوق العذاب ، والجلود بمنزلة الثّياب لها . ثانيهما : أنّها استعارة عن دوام العذاب وعدم انقطاعه ، كما يقال لمن يراد وصفه بالدّوام : كلّما انتهى فقد ابتدأ . . . أي كلّما ظنّوا أنّهم نضجوا واحترقوا وأنهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوّة جديدة من الحياة ، بحيث ظنّوا أنّهم الآن وجدوا . وعندنا أنّ أصل السّؤال - كما قال الآلوسيّ - لا ينبغي أن يصدر عن عاقل فضلا عن فاضل ، لأنّ عصيان الجلد وطاعته وتألّمه وتلذّذه غير معقول ، لأنّ الإدراك والشّعور للنّفس والبدن بجميع أعضائه كالآلة للنّفس الحسّاسة . مع أنّ ما احتملناه من أنّ الجلود المتبدّلة في الجحيم هي المتبدّلة في الدّنيا دافع للسّؤال . 3 - تكرار ( الجلود ) فيها تجسيم بليغ للعذاب ودوامه ، كتكرارها في ( 4 ) . عاشرا : جاءت « الجلود » في الآيات ( 7 و 8 و 9 ) ثلاث مرّات في كلّ آية مرّة ، وكلّها راجعة إلى شهادة جلود أهل النّار عليهم يوم الحشر ، وفيها بحوث : 1 - في تكرار « الجلود » تجسيم لشدّة العذاب ، كما سبق في ( 6 ) . 2 - أوّلت الجلود : بالفروج ، أو بالفروج والأفخاذ ، لأنّهما أوّل ما يسأل عمّا صدر عنهما ، وكلا الوجهين مرويّان - أو بالأيدي والأرجل ، أو بالأعضاء ، أو ببصمات الأصابع ، ونحوها وكلّها - كما اعترف بها الطّبريّ والطّوسيّ وغيرهما - خلاف الظّاهر ، فلا يقبل إلّا بحجّة يجب التّسليم لها ، كقول المعصوم ، وهو موجود ، إلّا أنّه قابل للحمل على أنّ ما ذكر أوّل ما يسأل ، فلا يمنع شمولها لجلودهم كلّها . ويؤيّده اختصاص الآية ( 8 ) بذكر الجلود فقط ، وسنبحث فيه . 3 - قيل في وجه التّعبير عن الفروج : بالجلود ، أنّه كناية حذرا من ذكر القبيح ، كما يعبّر عن الجماع بالمسّ ، أو لأنّ الفروج معصيتها أكبر وأغلب ، وهذا معهود من مفسّري السّلف من اقتصارهم في التّأويل من العامّ على فرده الأهمّ ، كقصرهم ( سبيل اللّه ) على ( الجهاد ) . وعند ابن أبي الحديد أنّ في هذه القاعدة تنحلّ إشكالات كثيرة في التّأويلات المرويّة . 4 - ذكرت في ( 7 و 9 ) السّمع والأبصار والجلود فما هو وجه اختصاصها بالذّكر من الحواسّ الخمس ؟ والجواب أنّ هذا السّؤال أثاره الفخر الرّازيّ أوّلا - كما صرّح به وتبعه الآخرون - وأجاب بأنّ الحواسّ خمس : السّمع والبصر والشّمّ والذّوق واللّمس ، وآلة اللّمس الجلد ، فاللّه اكتفى هنا بثلاث وأهمل الشّمّ