مجمع البحوث الاسلامية

605

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الخوف ، فلا يستطيعون أن يقفوا على وليّ ومؤنس يطوي الهموم ، ولا يجدون شريكا للنّشاطات الاجتماعيّة ، ولا معينا ونصيرا ليوم الشّدّة . ولا بأس بالالتفات إلى هذه اللّطيفة ، وهي أنّ المراد من « الظّنّ » هنا هو الظّنّ الّذي لا يستند إلى دليل ، فعلى هذا إذا كان الظّنّ في بعض الموارد مستندا إلى دليل فهو ظنّ معتبر ، وهو مستثنى من هذا الحكم كالظّنّ الحاصل من شهادة نفرين عادلين . 2 - لا تجسّسوا رأينا أنّ القرآن يمنع جميع أنواع التّجسّس بصراحة تامّة ، وحيث إنّه لم يذكر قيدا أو شرطا في الآية ، فيدلّ هذا على أنّ التّجسّس في أعمال الآخرين والسّعي إلى إذاعة أسرارهم إثم ، إلّا أنّ القرائن الموجودة داخل الآية وخارجها تدلّ على أنّ هذا الحكم متعلّق بحياة الأفراد الشّخصيّة والخصوصيّة . ويصدق هذا الحكم أيضا في الحياة الاجتماعيّة في صورة أن لا يؤثّر في مصير المجتمع . لكن من الواضح أنّه إذا كان لهذا الحكم علاقة بمصير المجتمع أو مصير الآخرين ، فإنّ المسألة تأخذ طابعا آخر ، ومن هنا فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان قد أعدّ أشخاصا وأمرهم أن يكونوا عيونا لجمع الأخبار واستكشاف المجريات واستقصائها ، ليحيطوا بما له علاقة بمصير المجتمع . ومن هذا المنطلق أيضا يمكن للحكومة الإسلاميّة أن تتّخذ أشخاصا يكونون عيونا لها أو منظّمة واسعة للإحاطة بمجريات الأمور وأن يواجهوا المؤامرات ضدّ المجتمع ، أو إرباك الوضع الأمنيّ في البلاد ، فيتجسّسوا للمصلحة العامّة حتّى لو كان ذلك في داخل الحياة الخاصّة للأفراد . إلّا أنّ هذا الأمر لا ينبغي أن يكون ذريعة لهتك حرمة هذا القانون الإسلاميّ الأصيل ، وأن يسوّغ بعض الأفراد لأنفسهم أن يتجسّسوا في حياة الأفراد الخاصّة ، بذريعة التّآمر والإخلال بالأمن فيفتحوا رسائلهم مثلا ، وأن يراقبوا الهاتف ، ويهجموا على بيوتهم بين حين وآخر . والخلاصة : أنّ الحدّ بين التّجسّس وجمع الأمور الضّروريّة لحفظ أمن المجتمع دقيق وظريف جدّا . وينبغي على مسؤولي إدارة الأمور الاجتماعيّة أن يراقبوا هذا الحدّ بدقّة ، لئلّا تهتك حرمة أسرار النّاس ، ولئلّا يتهدّد أمن المجتمع والحكومة الإسلاميّة . ( 16 : 505 ) الأصول اللّغويّة 1 - الأصل في هذه المادّة الجسّ ، وهو لمس الشّيء لتعرّف ما فيه ، يقال : جسّه بيده ، يجسّه جسّا واجتسّه ، أي مسّه ولمسه ، والمجسّة : الموضع الّذي تقع عليه يده إذا جسّه ، وما يجسّه الطّبيب أيضا ، وهو المجسّ . يقال مجازا : فلان ضيّق المجسّ ، وفي مجسّه ضيق ، إذا لم يكن واسع الصّدر . والجواسّ : الحواسّ ، وهي اليدان والعينان والفم والأنف والأذن ، واحدتها : جاسّة ، وفي المثل : « أفواهها مجاسّها » ، لأنّ الإبل إذا أحسنت الأكل ، اكتفى النّاظر بذلك في معرفة سمنها من أن يجسّها ، وجسّ الشّخص بعينه : أحدّ النّظر إليه ليستبينه ويستثبته .