مجمع البحوث الاسلامية

606

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وجسّ الخبر يجسّه جسّا : بحث عنه وفحص فهو جاسوس ، وتجسّس فلانا ومن فلان : بحث عنه كتحسّس ، يقال : تجسّس الخبر وتحسّسه ، إلّا أنّ التّجسّس أكثر ما يقال في الشّرّ ، ويطلبه الإنسان لغيره ، والتّحسّس أن يطلبه لنفسه ، كما سيأتي في « ح س س » إن شاء اللّه . 2 - وقد ابتدع المعاصرون اصطلاح « الجاسوسيّة » ، وهو مصدر صناعيّ يطلق على جهاز سرّيّ للغاية ، يقوم أعضاؤه بمهمّة التّجسّس في نطاق إقليميّ ودوليّ لحساب دولة أو منظّمة . ويستخدم هذا الجهاز معدّات دقيقة ومعقّدة ، يسخّرها في التّنصّت والتّصوير برّا وبحرا وجوّا ، فترصد حركات الأفراد وسكناتهم ، وتحصي أنفاسهم في بيوتهم ومقرّ عملهم ، وعبادتهم واستجمامهم . كما عمدت الحكومات إلى تأسيس منظّمة ، تناط بها مهمّة إحباط خطط هذا الجهاز وشلّ نشاطه ، أو التّخفيف من وطأته ، وأسمته « ضدّ الجاسوسيّة » . الاستعمال القرآنيّ جاء منها لفظ واحد مرّة واحدة ، في سورة مدنيّة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ الحجرات : 12 يلاحظ أوّلا : أنّ الفرّاء قال : القرّاء مجتمعون على الجيم ، في ( لا تجسّسوا ) لكن حكي عن الحسن وأبي الرّجا وابن سيرين والهذليّين بالحاء ، وسكت عنها الطّبريّ ، فيبدو أنّها قراءة شاذّة لم يقرأ بها القرّاء السّبعة ولا العشرة . وأصله : « لا تتجسّسوا » ، فحذف منه إحدى التّائين ، وفيه معنى التّكلّف في الطّلب . ثانيا : أنّهم قالوا : الفرق بينهما أنّ التّجسّس في الشّرّ ، والتّحسّس في الخير ، وكذلك جاء في القرآن فإنّ التّجسّس في الآية في الشّرّ ، وفي يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ يوسف : 87 ، في الخير ، وقد يتداخلان ، وعن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا » وهما في الشّرّ . والأوّل من الجسّ وهو تعرّف ما بطن ، والثّاني من الحسّ وهو تعرّف ما ظهر ، وكذلك جاء في القرآن ، لاحظ « ح س س » ، ولهذا قيل لمشاعر الإنسان : الحواسّ . وقيل : فرق ثان بينهما أنّه بالحاء : تطلّبه لنفسه ، وبالجيم : أن يكون رسولا لغيره ، ولا وجه له ، بل تخطّئه الآيتان . ثالثا : قالوا : إنّما قال : وَلا تَجَسَّسُوا بعد قوله : اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إذ فهم منه عدم العبرة بالظّنّ ، فيقول القائل : أنا أكشف فلانا حتّى أعلمه يقينا ، واطّلع على عيبه مشاهدة لا ظنّا ، فقال : ( ولا تجسّسوا ) أي لا تجتهدوا في طلب اليقين في معايب النّاس . رابعا : قال مغنيّة : التّجسّس : تتبّع العورات والعثرات ، وهو محرّم كتابا وسنّة وإجماعا وعقلا ، وذكر الآيات والرّوايات ، ثمّ التفت إلى ما قرأه في الجرائد عن الغزو الإلكترونيّ عند الأمريكيّين في بلادهم ، وفي دول الأرض ، لاحظ . خامسا : استثنى فضل اللّه ومكارم الشّيرازيّ من