مجمع البحوث الاسلامية

574

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بشأنه الدّائمة إلى الأبد . وأمّا سرّ اختلافهما مجرّدا ومزيدا : فإنّ ( جزيناه ) ذكر قريبا ممّا أنعم اللّه عليهم فأتى بلفظ مشترك بين الخير والشّرّ ، وأنّه ابتداء العقاب ثمّ اشتدّ عقابه ، فقال : ( نجازى ) المشعر بشدّة العذاب - كما سبق - وقد ذكر الآلوسيّ فيه وجها لا يتّضح مراده ، ولعلّه أراد ما قلنا ، فلاحظ . 5 - الظّاهر أنّ وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ بمنزلة التّعليل ل ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا والعلّة عامّ ، والمعلّل له خاصّ ، وله نظائر في ذيل الآيات . 6 - اختلفوا في إعراب ذلِكَ جَزَيْناهُمْ وفي المشار إليه ، فقال أبو السّعود : إشارة إلى مصدر ( جزيناهم ) أي الجزاء ، أو إلى ما ذكر من التّبديل ، وأنّ ما فيه من البعد إشارة إلى بعد رتبته . ومحلّه على الأوّل نصب على أنّه مصدر مؤكّد للفعل ، أي جزيناهم ذلك الجزاء الفظيع ، وعلى الثّاني نصب على أنّه مفعول ثان للفعل ، واختاره الطّباطبائيّ . وعند بعضهم أنّ ذلك - أي ما حلّ بالقوم من نكال - مبتدأ حذف خبره ، تقديره : ذلك ما جزيناهم به ، وأنّ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بدل عن هذا المحذوف ، أو عطف بيان له ! ولعلّ الأقرب أنّها مبتدأ وخبره جزيناهم ، حذف منها العائد ، والتّقدير : ذلك جزيناهم به أو إيّاه بكفرهم ، وكيف كان فالمعنى واحد . الرّابع عشر : كلّ ذلك راجع إلى « الجزاء » . وهناك لفظ آخر اختلفوا في معناه وفي مادّته ، وهو « الجزية » جاءت مرّة واحدة في ( 108 ) ، وفيها بحوث : 1 - أكثرهم قالوا : إنّها من « ج ز ي » وإن اختلفوا في وجه تسميتها ، وحكى الآلوسيّ قولا بأنّها من « ج ز ء » سمّيت بها لأنّها طائفة وجزء من المال تدفع . وقال الزّمخشريّ : « إنّها طائفة ممّا على أهل الذّمّة أن يجزوه ، أي يقضوه ، ولأنّهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل » فجمع فيها بين « جزى » و « جزأ » ، والأوّل هو الأولى ، لأنّها تنطق وتكتب ( جزية ) بالياء ، ولما ذكر في وجه تسميتها كما يأتي . 2 - الجزية : « الفعلة » مثل القعدة والجلسة ، تعني مقدار ما يدفع ويقضى أو نوعا منه ، أو لبيان الهيئة كالرّكبة ، من : جزى فلان فلانا ما عليه ، وجزى دينه ، أي قضاه ، سمّي ما يعطيه المعاهد : جزية ، لوجوب قضاءه عليه حسب المعاهدة ، أو لأنّها تجزي عن قتله ورقبته ، أو عن أسره ، أو عن كفره ، أو لأنّها جزاء ما عاهد المسلمون عليه من الدّفاع عنه ، أو لأنّها عطيّة عقوبة جزاء على الكفر باللّه . ولا بأس بأن يكون لكلّ منها دخل فيها . 3 - قالوا : إنّها نزلت في حرب الرّوم الّذين كانوا من أهل الكتاب - أي غزوة تبوك - كما في الآية ، وأريد بهم اليهود والنّصارى ، ثمّ ألحق بهم المجوس ، والتزم بها بعض المذاهب كالإماميّة ، ولا تؤخذ من المشركين عامّة . وخصّهم محمّد بن حسن الشّيبانيّ في كتابه « السّير الكبير » بمشركي العرب ، وعمّم حكم الجزية الهنود الّذين يعبدون الأصنام أيضا . وقد ذكر اللّه قبلها المشركين ولم يذكر الجزية ، فالسّياق دلّ على اختصاصها بأهل الكتاب ، والتّفصيل موكول إلى الفقه .