مجمع البحوث الاسلامية
575
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وقد ألّفت فيها كتب خاصّة ، وهي خراج على الرّقاب والرّؤوس ، دون الرّقبات والأراضي فإنّها تسمّى ( خراجا ) لا ( جزية ) . 4 - اختلفوا في أنّها لفظ عربيّ أو فارسيّ ، لكنّهم اتّفقوا على أنّ لها سابقة قبل الإسلام ، فلاحظ النّصوص والأصول اللّغويّة . 5 - واختلفوا في حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ في موضعين : ( عن يد ) و ( صاغرون ) . أمّا ( عن يد ) فقيل : « عن أنفسهم بأيديهم يمشون بها » أو « عن إنعام عليهم بذلك ، لأنّ قبول الجزية منهم وترك أنفسهم نعمة عليهم ويد من المعروف جزيلة » ، أو « ليفارق حال الغصب على إقرار أحد » أو « نقدا من يده إلى يد من يدفعه إليه من غير نائب ، كما يقال : كلّمته فما بفم ، ولذلك منع عن التّوكيل فيه » أو « يعطوا منقادين عن يد مواتية » أو « عن غنى ، ولذلك قيل : لا تؤخذ من الفقير » . فالأمر في ( عن يد ) دائر بين متضادّين : الإهانة بهم أو إكرامهم ، وسنعرف أنّ سياق الآية يناسب أيّ الأمرين . وأمّا ( صاغرين ) فقيل : « وهم كارهون » أو « توجأ عنقه » أو « تأخذها وأنت جالس وهو قائم » أو « غير مستعلين عليكم ، ولا قاهرين » أو « خاضعين للسّنّة الإسلاميّة بعدم تظاهرهم بما حرّمه اللّه » . 6 - سياق الآية وخصوصا ذيلها عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ يعطي أنّ الجزية إنّما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب ، من موضع قدرتهم وسلطانهم عليهم وعلى الدّفاع عنهم ، وهم في ذمّة الإسلام ، ولا يفهم منها الإهانة بهم بل السّلطة عليهم . والتّاريخ الإسلاميّ يشهد بذلك ، فلاحظ النّصوص ولا سيّما نصّ الطّباطبائيّ ومكارم ، كي تقنع بذلك ، فإنّ السّكينة والوقار الإسلاميّ - كما قال الطّباطبائيّ - لا يحتمل الإهانة بهم ، كيف والمسلمون عاقدوهم على الاحتفاظ بهم وبدينهم ! 7 - هناك خلاف بين نظريّتين من المفسّرين القدامى والمعاصرين ، فالمعاصرون أصروا على أنّ موقف الإسلام من أهل الذّمّة عار عن أيّ ظلم وإهانة بل فيها من العطوفة وصيانة الحقوق فوق ما ينشده أصحاب حقوق الأمم والبشر . أمّا القدامى فأشكلوا بأنّ « الجزية » لا تعادل الكفر ، فإنّه يستدعي جزاء أشدّ كالقتل والأسر والاستعباد . قال القاضي عبد الجبّار : « كيف يصحّ فيمن يكفر باللّه تعالى أن يسوغ له الكفر ببذل الجزية ؟ » وأجاب بأنّ قتلهم لكفرهم شرعيّ لا عقليّ ، فيجوز أن تكون المصلحة فيه ما لم يعطوا الجزية ، فإذا أعطوها حرم قتلهم . وربّما يكون فيه هدايتهم للإسلام . وأجاب عمّن وجّهه بأنّه لو لم يجز ترك القتل بالجزية لأدّى إلى الإكراه ، وقد قال تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ البقرة : 256 ، بأنّ في الكفّار من لا يرضى منه إلّا القتل فيجب أن يكون مكرها ؟ ! والحقّ أنّ اللّه فرّق ب « الجزية » بين أهل الكتاب والمشركين لئلّا يكونوا سواء ، وبذلك نجح الإسلام في تسليم أهل الذّمّة للمسلمين والتّعايش معهم .