مجمع البحوث الاسلامية
484
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الآلوسيّ : [ نقل كلام الزمخشريّ وقال : ] وبيانه فيما نحن فيه ، أنّ قوله تعالى : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يدلّ بمنطوقه على ما قرّر على اختصاصهم بالجزاء التّكريميّ ، وبمفهومه على أنّهم أهل الولاية والزّلفى ، وقوله سبحانه : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ لتعليل الاختصاص ، يدلّ بمنطوقه على أنّ عدم المحبّة يقتضي حرمانهم ، وبمفهومه على أنّ الجزاء لأضدادهم موفّر ، فهو جلّ وعلا محبّ للمؤمنين . وذكر العلّامة الطّيّبيّ : الظّاهر أنّ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ الرّوم : 43 ، الآية بتمامها كالمورد للسّؤال والخطاب ، لكلّ أحد من المكلّفين ، و مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ الرّوم : 44 . الآية وارد على الاستئناف منطو على الجواب ، فكأنّه لمّا قيل : أقيموا على الدّين القيّم قبل مجيء يوم يتفرّقون فيه ، فقيل : ما للمقيمين على الدّين وما على المنحرفين عنه ، وكيف يتفرّقون ؟ فأجيب : مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ الآية . وأمّا قوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا الآية ، فينبغي أن يكون تعليلا للكلّ ، ليفصل ما يترتّب على ما لهم وعليهم . لكن يتعلّق ب ( يمهدون ) وحده ، لشدّة العناية بشأن الإيمان والعمل الصّالح ، وعدم الإعباء بعمل الكافر ، ولذلك وضع موضعه إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ انتهى ، فلا تغفل . ( 21 : 50 ) الطّباطبائيّ : اللّام للغاية ، ولا ينافي عدّ ما يؤتيهم جزاء - وفيه معنى المقابلة - عدّه من فضله ، وفيه معنى عدم الاستحقاق ؛ وذلك لأنّهم بأعيانهم وما يصدر عنهم من أعمالهم ملك طلق للّه سبحانه ، فلا يملكون لأنفسهم شيئا حتّى يستحقّوا به أجرا ، وأين العبوديّة من الملك والاستحقاق ، فما يؤتونه من الجزاء فضل من غير استحقاق . لكنّه سبحانه بفضله ورحمته اعتبر لهم ملكا لأعمالهم في عين أنّه يملكهم ويملك أعمالهم ، فجعل لهم بذلك حقّا يستحقّونه ، وجعل ما ينالونه من الجنّة والزّلفى أجرا مقابلا لأعمالهم ، وهذا الحقّ المجعول أيضا فضل آخر منه سبحانه . ومنشأ ذلك حبّه تعالى لهم ، لأنّهم لمّا أحبّوا ربّهم أقاموا وجوههم الدّين القيّم ، واتّبعوا الرّسول فيما دعا إليه فأحبّهم اللّه ، كما قال : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران : 31 . ولذا كانت الآية تعدّ ما يؤتيهم اللّه من الثّواب جزاء ، وفيه معنى المقابلة والمبادلة ، وتعدّ ذلك من فضله ، نظرا إلى أنّ نفس هذه المقابلة والمبادلة فضل منه سبحانه ، ومنشأه حبّه تعالى لهم ، كما يومئ إليه تذييل الآية ، بقوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ومن هنا يظهر أنّ قوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ يفيد التّعليل بالنّسبة إلى جانبي النّفي والإثبات جميعا ، أي إنّه تعالى يخصّ المؤمنين العاملين للصّالحات بهذا الفضل ، ويحرم الكافرين منه ، لأنّه يحبّ هؤلاء ولا يحبّ هؤلاء . ( 16 : 198 ) عبد الكريم الخطيب : التّعليل هنا ، هو لقوله : وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ الرّوم : 44 ، أي إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات ، قد توسّلوا بهذه الوسيلة إلى مرضاة اللّه ، ليجزيهم الجزاء الحسن ، من فضله وإحسانه .