مجمع البحوث الاسلامية
43
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
2 - قولهم : إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا ، يعلن خطورة مصاحبتهم للنّبيّ في دعوته ، لأنّه يدعو إلى التّوحيد ، والنّاس مشركون ، فيقابلونهم بإخراجهم من أرضهم ، كما أخرجوا جماعة ممّن آمن به من ذي قبل ، وكادوا أن يخرجوا النّبيّ منها ، وقد فرض اللّه الهجرة على المؤمنين لئلّا تمنعهم علاقتهم بأرضهم من الهدى . 3 - جاء ( يجبى ) مجهولا إيماء إلى كثرة تلك الثّمار ، وأنّها تجبى إليهم من كلّ مكان ، وبأياد كثيرة لا تحصى . 4 - قد سبق أنّ أصل المادّة يدلّ على جمع الماء في الحوض ، فهي تمثّل لنا أنّ آثار الإيمان والهداية كالأنهار الجارية ، تجمع في جابية الشّريعة . 5 - الجمع بين الثّمرات والحرم الآمن يمثّل لنا أنّ القلوب تهفوا إلى البيت من كلّ بلد كما تجبى إليه الثّمرات منها . الثّانية في ( 12 ) : وَجِفانٍ كَالْجَوابِ ف ( الجواب ) جمع الجابية . وأصلها : ( الجوابي ) - وقد قرئت بها - وهي ظرف يجمع فيه الماء للإبل . وهذه جاءت وفق متن اللّغة بلا إيماء وكناية ، والأولى جاءت كناية وتمثيلا . ثانيا : جاء الفعل من باب « الافتعال » في غيرهما من الآيات ، وأريد به اختيار الرّسل للرّسالة في ثمان منها : ( 2 - 9 ) ، واختيار هذه الأمّة لدعوتها إلى الإسلام مرّة في ( 10 ) ، وأريد به الاختلاق في ( 11 ) ، وفيها جهات من البحث : 1 - باب « الافتعال » له معان أقربها وألصقها بهذه الآيات المبالغة في الفعل ، مثل اكتسب ، أي بالغ في الكسب ، فالاجتباء هو المبالغة في الجمع ، واجتباء الرّسل ، هو المبالغة في جمع القيم فيهم ، واختصاصهم بالنّبوّة من بين النّاس ، وقد عبّروا عنه ب اخترناهم ، اصطفيناهم ، أخلصناهم ونحوها . قال الفخر الرّازيّ : « الاجتباء إذا ذكر في حقّ الأنبياء عليهم السّلام لا يليق به إلّا الحمل على النّبوّة والرّسالة » . وقال الآلوسيّ : « المجتبى كأنّه في الأصل من جمعت فيه المحاسن حتّى اختاره غيره وقرّبه » . وقال الطّباطبائيّ : « في معنى الاجتباء جمع أجزاء الشّيء وحفظها من التّفرّق والتّشتّت ، وفيه حركة من الجابي نحو الجبى ، فاجتباء اللّه عبدا من عباده ، هو أن يقصده برحمته ويخصّه بمزيد كرامته فيجمع شمله ، ويحفظه من التّفرّق في السّبل المتفرّقة الشّيطانيّة المفرّقة للإنسان ، ويركبه الصّراط المستقيم ، وهو أن يتولّى أمره ويخصّه بنفسه ، فلا يكون لغيره فيه نصيب » . فقد لاحظوا فيه « الجمع » إلّا أنّ الآلوسيّ اعتبر جمع المحاسن والقيم في النّبيّ ، والطّباطبائيّ اعتبر جمع النّبيّ من التّفرّق واختصاصه باللّه فيتولّى أمره ، ومن ذلك ظهر أنّ الاختيار والاصطفاء والإخلاص ونحوها كلّها لازم للمعنى ، وكناية عن المبالغة في جمع القيم في الرّسل . ويظهر من بعضهم أنّ الاجتباء هو مطاوعة الجبي ، قال البيضاويّ : من « جبى إليّ كذا فاجتبيته ، مثل جلبت عليّ العروس فاجتبيتها » وأصل معنى الكلمة « الجمع » وتبعه غيره . والأوّل هو الأقرب . 2 - آيات اجتباء الرّسل صنفان : صنف منها يعمّ الأنبياء كافّة ، فهم نخبة من البشر ، جمع اللّه فيهم القيم .