مجمع البحوث الاسلامية

44

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وهذا في ( 2 - 5 ) ، وصنف منها يخصّ نبيّا من الأنبياء ، ابتداء بآدم أبي البشر ( 6 ) ، ثمّ إبراهيم ( 7 ) ثمّ يوسف ( 8 ) ثمّ يونس ( 9 ) . 3 - وقد اجتبى اللّه آدم بعد أن عصى ربّه وتاب اللّه عليه وهداه ( 6 ) . وكذلك اجتبى يونس ( 9 ) بعد أن صدر عنه ما شانه فتداركته رحمة من ربّه ، أمّا غيرهما من الأنبياء فاجتباهم ابتداء من غير سبق ما يشينهم ، نعمة منه إليهم . 4 - قد جمع اللّه ( الهدى ) وضمّها إلى الاجتباء في ( 2 ) و ( 3 ) و ( 5 ) و ( 6 ) و ( 7 ) ، وهذا نصّ في أنّ الأنبياء أكرموا بالنّبوّة مع الهداية ، والهداية مقدّمة النّبوّة ، فاللّه يهدي الأنبياء ثمّ يجتبيهم لوحيه ورسالته . 5 - ربط اللّه في ( 4 ) بين الاطّلاع على الغيب وبين الرّسالة ، رمزا إلى أنّه لا يعلم الغيب إلّا اللّه ، والرّسل يعلمونه من اللّه وبوحي منه . 6 - خصّت الآية ( 10 ) وهي خطاب إلى المؤمنين الأوائل بأنّ اللّه اجتباهم لهذه الدّعوة ، وهي ملّة أبيهم إبراهيم عليه السّلام ، بعد أن وصفه في ( 7 ) بأنّه كان أمّة ، قانتا للّه ، حنيفا ، ولم يكن من المشركين ، شاكرا لأنعمه ، فاجتباه وجمع فيه هذه القيم الكبرى ، وهداه إلى صراط مستقيم . والاجتباء فيها هو أنّه تعالى جمع فيهم من الصّفات والخصال ما يعدّهم لتلقّي هذه الدّعوة بقلوبهم ، ولنشرها بين الأمم بجهادهم وجهودهم ، ورفع عنهم الحرج في دينهم ، فقال : وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحجّ : 78 ، وقد وصفهم ب وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً البقرة : 143 ، فقد منّ عليهم وبالغ فيهم فاجتباهم لهذه الدّعوة ، كما اجتبى رسله بالنّبوّة . ومنه نستشعر بأنّ العرب الإبراهيميّة كانت مستعدّة لها أكثر من غيرها من الشّعوب ، فالآية نظير الآية ( 8 ) حيث قال تعالى ليوسف : وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ، ومثلها ( 2 ) و ( 3 ) و ( 5 ) حيث أكدّت الوراثة في النّبوّة عن الآباء . 7 - جاء في ( 11 ) خطاب الكفّار للنّبيّ عليه السّلام قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها ، وقد فسّروها ب : تكلّفتها ، تخلّقتها ، أحدثتها ، اختلعتها ، تقوّلتها ، افتعلتها ، اخترعتها ، جئت بها من نفسك ، اصطنعتها افتعالا من نفسك ونحوها ، ومآلها واحد ، أي أنّهم كانوا يتّهمونه بأنّه يفتري على اللّه ، ويتقوّل الآيات من عند نفسه ، كما قالوا : ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً سبأ : 43 ، فهذا تعريض منهم له بأنّك لم تقوّل على اللّه آية ، كما كنت تتقوّل عليه الآيات قبلها ؟ والحقّ أنّ اجتبى جاء هنا بمعناه الشّائع ، وهو الاختيار ، والاختلاق والتّكلّف ونحوها ، لازم المعنى يستفاد من السّياق ، أي إذا أنت تختار الآية وتسندها إلى اللّه فقد اختلقتها . وفسّره آخرون ب ( لولا تلقّيتها من ربّك ) أي إذا أنت تزعم أنّك نبيّ وأنّ منزلتك عنده منزلة الرّسالة ، فهلّا اقترحتها على ربّك إن كنت صادقا في أنّ اللّه يقبل دعاءك ، ويجيب طلبك .