مجمع البحوث الاسلامية
426
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أقسم اللّه بها كما أقسم بالشّمس والقمر والنّجوم وغيرها . وهذا وجه حسن ، لولا أنّ « الجارية » إطلاقا وصف أو اسم للسّفن دون السّحب والكواكب ، فلا يقال للسّحاب ولا للنّجم « جارية » كما يقال للسّفينة ، إلّا مع ذكر الموصوف . ولعلّ في تركيز القرآن الجواري في البحر ، في ( 61 ) و ( 62 ) كآية من آيات قدرة اللّه تعالى ، دليلا على أنّ المراد بها في ( 59 ) السّفن أيضا ، وكذا في تقيّدها ب ( يسرا ) ، هذا إضافة إلى الرّوايات . عاشرا : جاءت ( الجواري ) ثلاث مرّات في ( 61 - 63 ) وفيها بحوث : 1 - قرئت ( الجوار ) في الآيات بحذف الياء وإثباتها ، وهذا أصلها ، فإنّها جمع جارية ، مثل حادثة وحوادث ، وجارحة وجوارح ، وغاشية وغواش . 2 - أريد بها في ( 61 ) و ( 62 ) السّفن ، فجاء في ( 61 ) الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ وفي ( 62 ) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ، وتوصيفها ب ( المنشات ) في ( 62 ) تجسيم لكونها كالأعلام المنشآت في البحر ، وهو مفهوم من ( 61 ) أيضا . أمّا في ( 63 ) وهي أيضا قسم مثل ( 60 ) فكادوا أن يتّفقوا على أنّ المراد بها النّجوم ، بقرينة وصفي ( الخنّس والكنّس ) . قال الطّبرسيّ ( 5 : 446 ) : « هي النّجوم تخنس بالنّهار وتبدو باللّيل . . . والكنّس : لأنّها تكنس أي تتوارى في بروجها ، كما تتوار الظّباء في كناسها ، وهي خمسة أنجم : زحل والمشتري والمرّيخ والزّهرة وعطارد ، عن عليّ عليه السّلام . . . » ويؤيّده ما بعدها المعطوفة عليها : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ التّكوير : 17 ، 18 ، فإنّ اللّيل والصّبح - وهو النّهار - تناسبان النّجوم ، فلا وجه - لما قيل - من أنّها الظّباء ، لاحظ « خ ن س » و « ك ن س » . الحادي عشر : جاء في ( 10 ) و ( 11 ) جري الرّيح بأمر سليمان ، والبحث فيهما موكول إلى « ريح وسليمان » . الثّاني عشر : جاء في ( 5 ) آيات : ( 12 - 16 ) جريان الشّمس والقمر ، والبحث المستوفى فيها موكول إلى ( الشّمس والقمر ) ، وفيها آيات وأبحاث كثيرة ، ونقتصر هنا بما يرتبط بهذه الآيات الخمس ، وفيها بحوث : 1 - جاء فيها ( الشّمس والقمر ) معا مع تقديم ( الشّمس ) وإتباعها ب ( القمر ) حسب ما هو واقعهما الطّبيعيّ ، فعطف ( القمر ) على ( الشّمس ) بلا فصل في أربع منها : ( 13 - 16 ) ، وفصل بينهما في ( 12 ) فأردفهما في آيتين وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ . وخصّ ( الشّمس ) فيهما بأنّها تجرى لمستقرّ لها ، فأبان أنّ للشّمس مستقرّا تمسك عنده عن الجري ، وفي « المستقرّ » خلاف أهو في الدّنيا أو في الآخرة ؟ لاحظ « ق ر ر : مستقرّ » . وخصّ ( القمر ) بأنّ له منازل تتغيّر فيها حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ، وفيها أيضا خلاف ، لاحظ « ن ز ل : منازل ، والعرجون » . 2 - مع الفرق بينهما بذلك ، فقد أشركهما بأنّهما تجريان هكذا بتقدير اللّه ، وبأمور أخرى : منها : أنّ اللّه هو الّذي سخّرهما ، وهذا إشارة إلى القوّة المسخّرة لهما ، وقد كشفها العلم الحديث في القمر والنّجوم في المنظومة الشّمسيّة ، بأنّها تتحرّك وتدور