مجمع البحوث الاسلامية
427
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حول الشّمس بجاذبيّتها . أمّا الشّمس فلم ينكشف لحدّ الآن - فيما أعلم - القوّة المسخّرة لها . ومنها : أنّ كلّا منهما يجريان لأجل مسمّى ، فقد أبان أوّلا : أنّهما يجريان ، وأنّ الحركة الوضعيّة لهما ، لا للأرض ، خلافا للنّظريّة القديمة ، وقد أثبته العلم الحديث . وثانيا : أنّ لجريهما أجلا مسمّى مقدّرا عند اللّه تعالى في نهاية الدّنيا ، لا يعلمه إلّا اللّه . ومنها : ربط بينهما وبين إيلاج اللّيل في النّهار وعكسه ، في ( 14 ) و ( 15 ) أو تكوير اللّيل على النّهار وعكسه في ( 16 ) ، وقد قدّم الإيلاج والتّكوير فيها على التّسخير دليلا عليه ، وأخّر التّسخير سببا وعلّة لهما . الثّالث عشر : أسند الجري في آيتين ( 17 ) و ( 59 ) إلى « العين » إسنادا حقيقيّا ، لأنّ العين اسم للماء الفائر ، وهي قسمان : عين جارية وعين راكدة ، وفي الجارية منها لذّة للعين ليست في الرّاكدة . قال الطّبرسيّ ( 5 : 479 ) : « وفي العيون الجارية من الحسن واللّذّة والمنفعة ما لا يكون في الواقفة ، ولذلك وصف بها عيون أهل الجنّة تجري في غير أخدود ، وتجري كما يريد صاحبها » . قالوا في ( 59 ) : أنّ ( عين ) اسم جنس يشمل الواحد والجمع ، كذلك الجارية : جاريات ، كما قال : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ الحجر : 45 ، لأنّ في كلّ قصر عين ومجموعها عيون ، وربّما لكلّ قصر عيون . قال الطّبرسيّ : « لكلّ إنسان في قصره من الجنّة عين جارية من كلّ شراب يشتهيه » فإن جرت بكلّ شراب فهي عيون لا عين واحدة . واحتملوا أنّها عين خاصّة لكلّ أهل الجنّة ، وأنّ التّنكير فيها لإبهام شأنها وتعظيم أمرها وإفادة دوامها . وهو الأقرب وفقا لبعض الرّوايات ، وللسّيّد فضل اللّه وصف رائع لهذه العين ، فلاحظ . وأمّا فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ في ( 17 ) فاستمرار لما قبلها : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ الرّحمن : 46 ، فلكلّ جنّة عين واحدة موافقة للاحتمال الأخير في ( 59 ) . قال الطّبرسيّ ( 5 : 208 ) : « أي في الجنّتين عينان من الماء تجريان بين أشجارها ، وقيل : عينان إحداهما سلسبيل ، والأخرى التّسنيم عن الحسن . وقيل : إحداهما من ماء غير آسن ، والأخرى من خمر لذّة للشّاربين ، عن عطيّة العوفيّ » . لاحظ « ع ي ن » . الرّابع عشر : في ( 18 ) وما بعدها من الآيات أسند الجري إلى ( الأنهار ) مع أنّها لا تجري وإنّما يجري الماء فيها ، وهذا مجاز شائع لا ريب فيه ، إلّا أنّهم قالوا : إنّها مجاز في الإسناد ، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يوسف : 82 ، أي اسأل أهلها . ويخطر بالبال أنّ بينهما فرقا ، فإنّ إطلاق النّهر على الماء الجاري شائع ، ومنه : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ البقرة : 74 ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ إبراهيم : 32 ، فالتّجوّز فيه ، لا في الإسناد ، لاحظ : تحت ، جنّات ، الأنهار ، آسن . الخامس عشر : من مجموع ( 64 ) آية ( 31 ) آية مدنيّة لو كانت سورة الحجّ مدنيّة ، وإلّا ف ( 28 ) آية ، والباقي مكّيّة ، فتكاد المكّيّات والمدنيّات متقاربات .