مجمع البحوث الاسلامية
400
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ . . . فحكى الفخر الرّازيّ عن أكثر المفسّرين من أنّها من بقيّة كلام نوح ، ثمّ رجّح أنّها من قصّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وقعت بين قصص نوح . ويؤيّده أنّ نوحا لم يعرض على قومه كتابا من اللّه حتّى يقولوا : افتراه ، فيدافع عن نفسه ، بما ذكر فيها ، وأيضا جاء نظيرها بشأن النّبيّ مرّات : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً الشّورى : 24 أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ سبأ : 8 أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يونس : 38 إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ المؤمنون : 38 أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ السّجدة : 3 أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً الأحقاف : 8 وحكى الآلوسيّ عن مقاتل أنّها في شأن النّبيّ ، والمعنى أيقول مشركو مكّة : إنّه افترى خبر نوح ، ثمّ قال : قيل : وكأنّه إنّما جيء به في تضاعيف القصّة عند سوق طرف منها تحقيقا لحقيقتها ، وتأكيدا لوقوعها ، وتشويقا للسّامعين إلى استماعها ، ولا سيّما وقد خصّ منها طائفة متعلّقة بما جرى بينه عليه السّلام وبين قومه من المحاجّة ، وبقيت طائفة مستقلّة متعلّقة بعذابهم . ثمّ قال : ولا يخفى أنّ القول بذلك - أي بأنّ معناه افترى محمّد قصّة نوح - بعيد وإن وجّه بما وجّه ، ثمّ نقل عن « الكشف » أنّ كونها في شأن النّبيّ عليه السّلام أظهر وأنسب من كونها من تتمّة قصّة نوح عليه السّلام ، لأنّ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ كالتّكرار لقوله أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يعني في آيات قبلها رقم ( 13 ) وفيها دلالة على كمال العناد ، وأنّ مثله بعد الإتيان بالقصّة على هذا الأسلوب المعجز ممّا لا ينبغي أن ينسب إلى افتراء ، فجاء زيادة إنكار على إنكار ، كأنّه قيل : أمع هذا البيان أيضا يقولون : ( افتريه ) وهو نظير اعتراض وقع في سورة العنكبوت : 18 ، وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ بيّن قصّة إبراهيم عليه السّلام في أحد الوجهين ، وأراه معوّلا عليه . ويؤيّده : أنّ اللّه ذمّ الافتراء كذبا في السّورة قبل قصّة نوح مرّات : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ هود : 13 وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً هود : 18 أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ هود : 21 فقد ظهر أنّ الآية جاءت بشأن النّبيّ كجملة معترضة ، استمرارا لما قبل قصّة نوح من رفض الافتراء عن النّبيّ بالقرآن تأكيدا له ، وأنّ قوله فيها : قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي خطاب إليه ، ولا مجال هنا لكونه خطابا لنوح عليه السّلام . والضّمير في افتريته راجع إلى القرآن . 7 - وهذه الآية في الحكم على المفتري كذبا ، والمكذّب بالحقّ على السّواء ، نظير ( 11 ) افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ فلاحظ . ثامنا : جاء اسم الفاعل من « أجرم » مفردا مرّتين