مجمع البحوث الاسلامية
399
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أنّه سيّء محظور . ونقول : ما قبل هذه الآية وما بعدها جاء بسياق الإنصاف أيضا ؛ حيث ساوى بين أنفسهم وبين مخاطبيهم في المصير والمآل ، وفي المستقبل والحال فقبلها : إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ سبأ : 24 ، وبعدها : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ سبأ : 26 . وقد صرّح بها بعضهم بأنّ الآية التّالية - في الحقيقة - توضيح لنتيجة الآيتين السّابقتين ، فبعد أن نبّه إلى أنّ أحد الفريقين على الحقّ والآخر على الباطل ، وإلى أنّ كلّا منهما مسؤول عن أعماله ، انتقل إلى مجازاة كلّ فريق طبق مسؤوليّته . وقال بعضهم : فيها إنصاف وحسن أدب مع الخصم . سابعا : جاء الفعل مع مصدره في ( 8 ) : إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ وفيها بحوث : 1 - في هذه الآية إنصاف أيضا بين النّبيّ ومخاطبيه بأنّ كلّا منّا مسؤول عن عمله لو كان سيّئا وإجراما . فلو افتريت أنا القرآن فهو إجرام منّي ، كما أنّ إنكاركم إيّاه لو كان حقّا إجرام منكم على السّواء . فالآية مثل ما قبلها ، ونظير : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ الكافرون : 6 ، و وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فاطر : 18 ، و لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ البقرة : 286 ، وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ يونس : 41 . 2 - وقد قرئت ( اجرامى ) جمع جرم ، أي فعليّ آثامي وذنوبي ، فهي مثل : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ محمّد : 26 ، وَأَدْبارَ السُّجُودِ ق : 40 ، فقد قرئتا ( اسرارهم ) و ( ادبار ) : جمع سرّ ودبر . وعليه فتزداد سمة الإنصاف فيها ؛ حيث أضاف إلى نفسه أجراما ، وإلى مخاطبيه أيضا أجراما ، فقال : ( تجرمون ) فأعمالهم تعدّ أجراما لا جرما واحدا . 3 - قالوا : في الآية حذف مضافين ، أي عقاب إجرامي وعقاب ما تجرمون . وعندنا أنّه مجاز شائع ، يقال : « ذنبي على رقبتي ) فيفهم منه المراد من دون لحاظ المضاف . فهذا كما قال الآلوسيّ : « يجوّز بالسّبب عن المسبّب » . 4 - قال الزّمخشريّ : وفي الآية محذوف آخر ، وهو أنّ المعنى إن افتريته فعليّ عقاب جرمي ، وإن كنت صادقا وكذّبتموني فعليكم عقاب ذلك التّكذيب . إلّا أنّه حذف هذه البقيّة لدلالة الكلام عليه ، كقوله : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ الزّمر : 9 ، ولم يذكر البقيّة . 5 - قيل : في الآية إلزام للخصم نقضا بما صدر عنه مثله ، أي ما الفرق بين ذنبي وذنبكم فذنبكم التّكذيب - كما اعتقد - وذنبي الافتراء - كما تزعمون - فليس لكم حجّة عليّ . إنّما الحجّة قائمة لكم عليّ ، لو اختصّ الذّنب بي دونكم . وفيه نظر ، فهي لا تدلّ على أنّه كان شاكّا في فعله ، بل إلزام للخصم عند اليأس من قبوله الحقّ . قال رشيد رضا : « وهذا الأسلوب من الجدل بالّتي هي أحسن يستخفّه السّمع ويقبله الطّبع » . 6 - وقعت هذه الآية بين آيات قصّة ( نوح ) فقبلها نقلا عن نوح وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ . . . وبعدها : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ