مجمع البحوث الاسلامية

375

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الزّمخشريّ : إن قلت : كيف خولف بين حرفي الجرّ الدّاخلين على الحقّ والضّلال ؟ قلت : لأنّ صاحب الحقّ كأنّه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء ، والضّالّ كأنّه منغمس في ظلام مرتبك فيه ، لا يدري أن يتوجّه . وفي قراءة أبيّ : وإنّا أو إيّاكم إمّا على هدى أو في ضلال مبين . وهذا أدخل في الإنصاف وأبلغ فيه من الأوّل ؛ حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين - وإن أراد بالإجرام الصّغائر والزّلّات الّتي لا يخلو منها مؤمن ، وبالعمل الكفر والمعاصي العظام - وفتح اللّه بينهم ، وهو حكمه وفصله أنّه يدخل هؤلاء الجنّة وأولئك النّار . ( 3 : 289 ) الفخر الرّازيّ : أضاف الإجرام إلى النّفس ، وقال في حقّهم : وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ . ( 25 : 257 ) أبو حيّان : هذا أدخل في الإنصاف وأبلغ من الأوّل [ من الآية السّابقة ] ، وأكثر تلطّفا واستدراجا ؛ حيث سمّى فعله جرما كما يزعمون ، مع أنّه مثاب مشكور ، وسمّى فعلهم عملا مع أنّه مزجور عنه محظور . وقد يراد ب ( أجرمنا ) نسبة ذلك إلى المؤمنين دون الرّسول ، وذلك ما لا يكاد يخلو المؤمن منه من الصّغائر ، والّذي تعملون هو الكفر وما دونه من المعاصي الكبائر . قيل : وهذه الآية منسوخة بآية السّيف . ( 7 : 280 ) البروسويّ : أي فعلنا واكتسبنا من الصّغائر والزّلّات الّتي لا يخلو منها مؤمن . ( 7 : 292 ) الآلوسيّ : هذا أبلغ في الإنصاف ؛ حيث عبّر عن الهفوات - الّتي لا يخلو عنها مؤمن - بما يعبّر به عن العظائم وأسند إلى النّفس ، وعن العظائم من الكفر ونحوه بما يعبّر به عن الهفوات وأسند للمخاطبين ، وزيادة على ذلك أنّه ذكر الإجرام المنسوب إلى النّفس بصيغة الماضي الدّالّة على التّحقّق ، وعن العمل المنسوب إلى الخصم بصيغة المضارع الّتي لا تدلّ على ذلك ، وذكر أنّ في الآية تعريضا ، وأنّه لا يضرّ بما ذكر . وزعم بعضهم أنّها من باب المتاركة وأنّها منسوخة بآية السّيف . ( 22 : 141 ) الطّباطبائيّ : وفي التّعبير عن عمل أنفسهم بالإجرام وفي ناحية المشركين بقوله : تعملون : ولم يقل : تجرمون ، أخذ بحسن الأدب في المناظرة . ( 16 : 375 ) مكارم الشّيرازيّ : وتستمرّ الآية الّتي بعدها بالاستدلال بشكل آخر ولكن بنفس النّمط المنصف الّذي يستنزل الخصم من مركب العناد والغرور ، يقول تعالى : قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ . والعجيب هنا أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور باستعمال تعبير « جرم » فيما يخصّه ، وتعبير « أعمال » فيما يخصّ الطّرف الآخر ، وبذا تتّضح حقيقة أنّ كلّ شخص مسؤول أن يعطي تفسيرا لأعماله وأفعاله ، لأنّ نتائج أعمال أيّ إنسان تعود عليه ، حسنها وقبيحها . وفي الضّمن إشارة لطيفة إلى أنّنا إنّما نصرّ على توجيهكم لا لأنّ ذنوبكم تقيّد في حسابنا ، ولا لأنّ شرّكم يضرّبنا ، نحن نصرّ على ذلك بدافع الغيرة عليكم ، وطلبا للحقّ . الآية التّالية - في الحقيقة - توضيح لنتيجة الآيتين السّابقتين ، فبعد أن نبّه إلى أنّ أحد الفريقين على الحقّ