مجمع البحوث الاسلامية
356
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والجرف : الأخذ الكثير ، يقال : جرف الشّيء يجرفه جرفا واجترفه ، أي أخذه أخذا كثيرا ، وكانت المرأة ذات لثة فاجترفها الطّبيب ، أي قشرها عن الأسنان قطعا ، وجرفت الطّين : كسحته ، وبنان مجرف : كثير الأخذ من الطّعام . والمجرف ، والمجرفة : ما جرف به . والجراف والجراف : مكيال ضخم ، كأنّه يجرف ما يكال به جرفا . 2 - أمّا قولهم : رجل مجرّف ، قد جرّفه الدّهر ، أي اجتاح ماله وأفقره ، وجرف النّبات : أكل عن آخره ، وكذا جرفة الخبز : كسرته ، فهو من « ج ل ف » لاحظ ذلك في موضعه المذكور . والمجراف : سكّين يكون للطّبيب ، من « ح ر ف » . وورد قولهم : جرف في ماله جرفة ، أي ذهب منه شيء ، في « ج ل ف » و « ح ر ف » . كما أنّ بين مادّتي « ج ر ف » و « ح ر ف » اشتقاقا أكبر ، يقال : رجل مجارف ومحارف ، أي فقير ، وهو الّذي لا يكسب خيرا . الاستعمال القرآنيّ جاء منها لفظ واحد ( جرف ) في سورة مدنيّة : أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ . . . التّوبة : 109 يلاحظ أوّلا : أنّ ( الجرف ) - بسكون الرّاء وضمّة كما قرئ بهما - جاء منكّرا في سياق وهن وضعف وذمّ ، قبال : ( تقوى ورضوان ) منكّرتين أيضا ، في سياق قوّة ومدح ، و ( جرف ) يحاكي شيئا مادّيّا لا يعبأ به ، موصوفا ب ( هار ) الدّالّ على السّقوط ، و ( تقوى ورضوان ) يحاكيان أمرين معنويّين ، ينبغي أن يهتمّ بهما اهتماما بالغا ، موصوفين بأنّهما من اللّه مصدر القوّة والقدرة . فالتّقابل بينهما وبين ( جرف ) بلغ أوجه في الآية : فهذا واحد موهون ، كأنّه وجد بلا غاية ولا فاعل ، ينهار صاحبه في نار جهنّم ، وهو من الظّالمين ، وهما اثنان قويّان متّصلان بمصدر القوّة والاقتدار ، واهب الخيرات ، وهما خيران وصاحبهما من أهل الرّضوان ، الّذين جاء فيهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ المائدة : 119 ، مع أنّ كلّا من ( جرف وتقوى ورضوان ) جاء نكرة مجرورا ب ( على ) متعلّق ب ( اسّس ) الدّال على القدرة والاستحكام ، لاحظ : « أس س » . إلّا أنّ التّأسيس فيهما جاء على كماله وحقيقته ، وفي ( جرف ) مجازا للتّقابل فقط ، نظير وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ آل عمران : 54 ، و يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ النّساء : 142 ، والتّنكير فيهما للتّعظيم والتّعمية ، ليذهب ذهن السّامع فيهما إلى كلّ مذهب ممكن من القوّة والكمال ، وفي ( جرف ) للتّحقير والوهن والذّمّ . ثانيا : ( جرف ) - كما جاء في اللّغة - ما أجرفه السّيل من ساحل الوادي وبقي مشرفا على السّقوط ، فالبناء عليه ينهدم ولا يرجى بقاؤه ، فالمراد به القطعة من الأرض . لكن المصطفويّ قال : إنّ الجرف : السّيل نفسه دون هذا المكان ، لأنّه معنى مجازيّ للكلمة ، ولأنّ السّقوط والانهيار يتحقّق في شفا السّيل وطرفه لا في طرف المكان الّذي يذهب السّيل به ، وأنّ ( هار ) صفة ل ( شفا ) لا ل ( جرف ) . وهذا باطل من وجوه :