مجمع البحوث الاسلامية
228
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الأشياء وبين الحجّة الّتي أمر اللّه تعالى بها ابتداء ، وتلك الحجّة الصّحيحة لا تبقى مع هذه الأشياء ، بدليل أنّه يجب قضاؤها ، والحجّة الفاسدة الّتي يجب عليه المضيّ فيها شيء آخر سوى تلك الحجّة الّتي أمر اللّه تعالى بها ابتداء . وأمّا الجدال الحاصل بسبب الشّكّ في وجوب الحجّ ، فظاهر أنّه لا يبقى معه عمل الحجّ ، لأنّ ذلك كفر وعمل الحجّ مشروط بالإسلام ؛ فثبت أنّا اإذا حملنا اللّفظ على الخبر ، وجب حمل الرّفث والفسوق والجدال على ما ذكرناه . أمّا إذا حملناه على النّهي ، وهو في الحقيقة عدول عن ظاهر اللّفظ ، فقد يصحّ أن يراد بالرّفث الجماع ومقدّماته وقول الفحش ، وأن يراد بالفسوق جميع أنواعه ، وبالجدال جميع أنواعه ، لأنّ اللّفظ مطلق ومتناول لكلّ هذه الأقسام ، فيكون النّهي عنها نهيا عن جميع أقسامها . وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية كالحثّ على الأخلاق الجميلة ، والتّمسّك بالآداب الحسنة ، والاحتراز عمّا يحبط ثواب الطّاعات . ( 5 : 181 ) العكبريّ : ويقرأ : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ بالفتح فيهنّ ، على أنّ الجميع اسم ( لا ) الأولى ، و ( لا ) مكرّرة للتّوكيد في المعنى ، والخبر ( في الحجّ ) . ويجوز أن تكون ( لا ) المكرّرة مستأنفة ، فيكون ( في الحجّ ) خبر ( لا جدال ) وخبر ( لا ) الأولى والثّانية محذوف ، أي فلا رفث في الحجّ ، ولا فسوق في الحجّ ، واستغنى عن ذلك بخبر الأخيرة . ونظير ذلك قولهم : زيد وعمر وبشر قائم ، فقائم خبر بشر ، وخبر الأوّلين محذوف ، وهذا في الظّرف أحسن . وتقرأ بالرّفع فيهنّ على أن تكون ( لا ) غير عاملة ، ويكون ما بعدها مبتدأ وخبر . ويجوز أن تكون ( لا ) عاملة عمل ليس ، فيكون ( في الحجّ ) في موضع نصب . وقرئ برفع الأوّلين وتنوينهما ، وفتح الأخير . وإنّما فرّق بينهما ، لأنّ معنى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ لا ترفثوا ولا تفسقوا ، ومعنى ( ولا جدال ) أي لا شكّ في فرض الحجّ . وقيل : ( لا جدال ) أي لا تجادلوا وأنتم محرمون . والفتح في الجميع أقوى لما فيه من نفي العموم . ( 1 : 161 ) القرطبيّ : قرئ ( فلا رفث ولا فسوق ) بالرّفع والتّنوين فيهما ، وقرئا بالنّصب بغير تنوين ، وأجمعوا على الفتح في ( ولا جدال ) وهو يقوّي قراءة النّصب فيما قبله ، ولأنّ المقصود النّفي العامّ من الرّفث والفسوق والجدال ، وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفيّ كلّه ؛ وعلى النّصب أكثر القرّاء . والأسماء الثّلاثة في موضع رفع ، كلّ واحد مع ( لا ) ، وقوله : فِي الْحَجِّ خبر عن جميعها . ووجه قراءة الرّفع أنّ ( لا ) بمعنى « ليس » فارتفع الاسم بعدها ، لأنّه اسمها ، والخبر محذوف تقديره : فليس رفث ولا فسوق في الحجّ ، دلّ عليه ( في الحجّ ) الثّاني الظّاهر ، وهو خبر ( لا جدال ) . وقال أبو عمرو بن العلاء : الرّفع بمعنى فلا يكوننّ رفث ولا فسوق ، أي شيء يخرج من الحجّ ، ثمّ ابتدأ النّفي ، فقال : ( ولا جدال ) . قلت : فيحتمل أن تكون « كان » تامّة مثل قوله : « وان كان ذو عسرة » فلا تحتاج إلى خبر ، ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف ، كما تقدّم آنفا . ويجوز أن