مجمع البحوث الاسلامية

213

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فليستعمل كلّ منها مع ما يناسبها ، فإنّه لو استعمل الحكمة للعوامّ لم يفد شيئا ؛ حيث لم يفهموها ، لسوء بلادتهم وعدم فطنتهم . ( 5 : 97 ) الآلوسيّ : [ نحو أبي السّعود وأضاف : ] واستدلّ - كما قيل - أرباب المعقول بالآية على أنّ المعتبر في الدّعوة من بين الصّناعات الخمس إنّما هو البرهان والخطابة والجدل ، حيث اقتصر في الآية على ما يشير إليها . وإنّما تفاوتت طرق دعوته عليه الصّلاة والسّلام لتفاوت مراتب النّاس . فمنهم خواصّ ، وهم أصحاب نفوس مشرقة قويّة الاستعداد لإدراك المعاني ، قويّة الانجذاب إلى المبادئ العالية ، مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه ، وهؤلاء يدعون بالحكمة بالمعنى السّابق . ومنهم عوامّ أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد ، شديدة الألف بالمحسوسات ، قويّة التّعلّق بالرّسوم والعادات ، قاصرة عن درجة البرهان ، لكن لا عناد عندهم ، وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة بالمعنى المتقدّم . ومنهم من يعاند ويجادل بالباطل ، ليدحض به الحقّ لما غلب عليه من تقليد الأسلاف ، ورسخ فيه من العقائد الباطلة ، فصار بحيث لا تنفعه المواعظ والعبر بل لا بدّ من إلقامه الحجر بأحسن طرق الجدال ، لتلين عريكته وتزول شكيمته ، وهؤلاء الّذين أمر صلّى اللّه عليه وسلّم بجدالهم بالتّي هي أحسن . وإنّما لم تعتبر المغالطة والشّعر ، لأنّ فائدة المغالطة تغليط الخصم والاحتراز عن تغليطه إيّاه ، ومرتبة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام تنافي أن يغلّط وتتعالى أن يغلّط ، والشّعر وإن كان مفيدا للخواصّ والعوامّ ، فإنّ النّاس في باب الإقدام والإحجام أطوع للتّخييل منهم للتّصديق ، إلّا أنّ مداره على الكذب ، ومن ثمّة قيل : « الشّعر أكذبه أعذبه » فلا يليق بالصّادق المصدوق ، كما يشهد به قوله تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ يس : 69 . لا يقال : الشّعر الّذي هو أحد الصّناعات قياس مؤلّف من مقدّمات مخيّلة ، والشّعر الّذي مداره على الكذب هو الكلام الموزون المقفّى ، وهو الّذي نفى تعليمه عنه صلّى اللّه عليه وسلّم . لما قيل : كون الشّعر مذموما ، ليس لكونه كلاما موزونا مقفّى بل لاشتماله على تخيّلات كاذبة ، فهما من واد واحد ، ذكر ذلك بعض المتأخّرين . وقد ذهب غير واحد إلى أنّ فيها إشارة إلى تفاوت مراتب المدعوّين ، إلّا أنّه خالف في بعض ما تقدّم ، ففي « الكشف » بعد أن ذكر أنّ كلام الزّمخشريّ يدلّ على أنّه عليه الصّلاة والسّلام ينبغي أن يجمع في الدّعوة بين الثّلاث ، فيكون الكلام في نفسه حسن التّأليف منتجا لما علق به من الغرض ، ومع ذلك مقصودا به المناصحة لمن خوطب به ، ويكون المتكلّم حسن الخلق في ذلك ، معلّما ناصحا شفيقا رفيقا ما نصّه : والأحسن على ما ذهب إليه المحقّقون أنّه تعميم للدّعوة حسب مراتب المدعوّين في الفهم والاستعداد ، فمن دعا بلسان الحكمة ليفاد اليقين العيانيّ أو البرهانيّ هم السّابقون ، ومن دعا بالموعظة الحسنة وهي الإقناعات الحكميّة لا الخطابات المشهورة طائفة دون هؤلاء ، ومن دعا بالمجادلة الحسنة