مجمع البحوث الاسلامية
214
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
هم عموم أهل الإسلام والكفّار أيضا ا ه . ولا أرى ما يوجب نفي أن يكون المراد بالموعظة الحسنة : الخطابات المشهورة ، وكونها مركّبة من مقدّمات مظنونة أو مقبولة ، من شخص معتقد فيه ، ولا يليق بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم استعمال الظّنّيّات ، أو أخذ كلام الغير والدّعوة به هو الموجب لذلك لا يخفى ما فيه ، فتدبّر . وذكر الأحسائيّ رئيس الفرقة الظّاهرة في زماننا المسمّاة ب « الكشفيّة » في كتابه « شرح الفوائد » ما محصّله : أنّ المدعوّين من المكلّفين ثلاثة أنواع ، وكذا الأدلّة الّتي أشارت إليها الآية ، فإن كانوا من الحكماء العقلاء والعلماء النّبلاء فدعوتهم إلى الحقّ الّذي يريده اللّه تعالى منهم من معرفته ، بدليل الحكمة ، وهو الدّليل الذّوقيّ العيانيّ الّذي يلزم منه العلم الضّروريّ بالمستدلّ عليه ، لأنّه نوع من المعاينة ، كقولنا في ردّ من زعم أنّ حقائق الأشياء كانت كامنة في ذاته تعالى بنحو أشرف ، ثمّ أفاضها : إنّه لا بدّ وأن يكون لذاته سبحانه قبل الإفاضة حال مغاير لما بعدها ، سواء كان التّغيّر في نفس الذّات أو فيما هو في الذّات . فإن حصل التّغيّر في الذّات لزم حدوثها ، وإن حصل فيما هو في الذّات - أعني حقائق الأشياء الكامنة - لزم أن تكون الذّات محلّا للمتغيّر المختلف ، ويلزم من ذلك حدوثها . وكقولنا في إثبات أنّه سبحانه أظهر من كلّ شيء : إنّ كلّ أثر يشابه صفة مؤثّرة ، وأنّه قائم بفعله قيام صدور كالأشعّة بالنّيّرات والكلام بالمتكلّم ، فالأشياء هي ظهور الواجب بها لها ، لأنّه سبحانه لا يظهر بذاته وإلّا لاختلفت حالتاه ، ولا يكون شيء أشدّ ظهورا من الظّاهر في ظهوره لأنّ الظّاهر أظهر من ظهوره ، وإن كان لا يمكن التّوصّل إلى معرفته إلّا بظهوره ، مثل القيام فإنّ القائم أظهر في القيام من القيام ، والقاعد أظهر في القعود من القعود ، وإن كان لا يمكن التّوصّل إلى معرفتهما إلّا بالقيام والقعود ، فتقول : يا قائم ويا قاعد ، والمعنى لك إنّما هو القائم والقاعد ، لا القيام والقعود ، لأنّه بظهوره لك بذلك غيّب عليك مشاهدته ، وإن التفتّ إليه احتجب عنك القائم والقاعد ، وهو آلة لمعرفة المعارف الحقّيّة ، كالتّوحيد وما يلحق به ، ومستنده الفؤاد وهو نور اللّه تعالى المشار إليه ، بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه تعالى » والنّقل من الكتاب والسّنّة . وشرطه الّذي يتوقّف عليه فتح باب النّور ثلاثة أشياء : أحدها : أن تنصف ربّك وتقبل منه سبحانه قوله ، ولا تتّبع شهوة نفسك . وثانيها : أن تقف عند بيانك وتبيّنك ، وتبيينك على قوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا الإسراء : 36 . وثالثها : أن تنظر في تلك الأحوال ، أعني البيان وما بعده بعينه تعالى ، وهي العين الّتي هي وصف نفسه لك ، أعني وجودك من حيث كونه أثرا ونورا ، لا بعينك الّتي هي أنت من حيث - أنّك أنت - أنت ، فإنّك لا تعرف بهذه العين إلّا الحادثات المحتاجة الفانية . وإن كانوا من العلماء ذوي الألباب وأرباب القلوب ، فدعوتهم إلى الحقّ الّذي يريده سبحانه منهم من اليقين