مجمع البحوث الاسلامية
212
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وفيهم الكثرة والغلبة . وأدنى المراتب ، الّذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة ، فقوله تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى الدّين الحقّ بالحكمة ، وهي البراهين القطعيّة اليقينيّة ، وعوامّ الخلق بالموعظة الحسنة ، وهي الدّلائل اليقينيّة الإقناعيّة الظّنّيّة ، والتّكلّم مع المشاغبين بالجدل على الطّريق الأحسن الأكمل . ومن لطائف هذه الآية أنّه قال : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ فقصر الدّعوة على ذكر هذين القسمين ، لأنّ الدّعوة إن كانت بالدّلائل القطعيّة فهي الحكمة ، وإن كانت بالدّلائل الظّنّيّة فهي الموعظة الحسنة . أمّا الجدل فليس من باب الدّعوة ، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدّعوة ، وهو الإلزام والإفحام ، فلهذا السّبب لم يقل : ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن ، بل قطع الجدل عن باب الدّعوة تنبيها على أنّه لا يحصّل الدّعوة ، وإنّما الغرض منه شيء آخر ، واللّه أعلم . واعلم أنّ هذه المباحث تدلّ على أنّه تعالى أدرج في هذه الآية هذه الأسرار العالية الشّريفة مع أنّ أكثر الخلق كانوا غافلين عنها ، فظهر أنّ هذا الكتاب الكريم لا يهتدي إلى ما فيه من الأسرار إلّا من كان من خواصّ أولي الأبصار . ( 20 : 138 ) أبو السّعود : أي ناظر معانديهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالطّريقة الّتي هي أحسن طرق المناظرة والمجادلة ، من الرّفق واللّين ، واختيار الوجه الأيسر ، واستعمال المقدّمات المشهورة تسكينا لشغبهم ، وإطفاء للهبهم ، كما فعله الخليل عليه السّلام إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الّذي أمرك بدعوة الخلق إليه ، وأعرض عن قبول الحقّ بعد ما عاين من الحكم والمواعظ والعبر وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ إليه بذلك ، وهو تعليل لما ذكر من الأمرين . والمعنى - واللّه تعالى أعلم - أسلك في الدّعوة والمناظرة الطّريقة المذكورة ، فإنّه تعالى هو أعلم بحال من لا يرعوي عن الضّلال ، بموجب استعداده المكتسب ، وبحال من يصير أمره إلى الاهتداء ، لما فيه من خير جليّ ، فما شرعه لك في الدّعوة هو الّذي تقتضيه الحكمة ، فإنّه كاف في هداية المهتدين وإزالة عذر الضّالّين . أو ما عليك إلّا ما ذكر من الدّعوة والمجادلة بالأحسن ، وأمّا حصول الهداية أو الضّلال والمجازاة عليهما فإلى اللّه سبحانه ؛ إذ هو أعلم بمن يبقى على الضّلال وبمن يهتدي إليه ، فيجازي كلّا منهما بما يستحقّه . ( 4 : 104 ) البروسويّ : [ نحو أبي السّعود وأضاف : ] والآية دليل على أنّ المناظرة والمجادلة في العلم جائزة إذا قصد بها إظهار الحقّ . قال الشّيخ السّمرقنديّ في تفسيره في هذه الآية ، تنبيه على المدعوّ إلى الحقّ فرق ثلاث : فإنّ المدعوّ إلى اللّه بالحكمة قوم وهم الخواصّ ، وبالموعظة قوم وهم العوامّ ، وبالمجادلة قوم وهم أهل الجدال ، وهم طائفة ذوو كياسة تميّزوا بها عن العوامّ ، ولكنّها ناقصة مدنّسة بصفات رديئة من خبث وعناد وتعصّب ولجاج وتقليد ضالّ ، تمنعهم عن إدراك الحقّ وتهلكهم ، فإنّ الكياسة النّاقصة شرّ من البلاهة بكثير ، ألم تسمع أنّ أكثر أهل الجنّة البله ،