مجمع البحوث الاسلامية

187

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فالقرآن لم يعارض أبدا البحث والنّقاش الاستدلاليّ والموضوعيّ الّذي يستهدف إظهار الحقّ ، بل حثّ ذلك في العديد من الآيات القرآنيّة . وفي مواقف معيّنة طالب القرآن المعارضين بالإتيان بالدّليل والبرهان ، فقال : هاتُوا بُرْهانَكُمْ البقرة : 111 . وفي المواقف الّتي كانت تتطلّب إظهار البرهان والدّليل ، ذكر القرآن أدلّة مختلفة ، كما نقرأ ذلك في آخر سورة « يس » حين جاء ذلك الرّجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يمسك بيده عظما ، فقال له سائلا : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ يس : 78 ، فذكر القرآن عددا من الأدلّة على لسان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في قضيّة المعاد وقدرة الخالق على إحياء الموتى . وفي القرآن نماذج أخرى واضحة على الجدال الإيجابيّ ، كما في الآية ( 258 ) من سورة البقرة ، الّتي تعكس كلام إبراهيم عليه السّلام وأدلّته القاطعة أمام نمرود ، والآيات ( 47 - 54 ) من سورة « طه » تعكس تحاجج موسى وفرعون . القرآن إذا مليء بالأدلّة المختلفة الّتي أقامها الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في مقابل عبدة الأصنام والمشركين وأصحاب الذّرائع . وفي الجانب الآخر يذكر القرآن الكريم نماذج أخرى من مجادلات أهل الباطل ، لإثبات دعاواهم الباطلة من خلال استخدام السّفسطات الكلاميّة والحجج الواهية ، الّتي استهدفوا من خلالها إبطال الحقّ وغواية عوامّ النّاس . إنّ السّخريّة والاستهزاء والتّهديد والافتراء والإنكار الّذي لا يقوم على دليل ، هي مجموعة من الأساليب الّتي يعتمدها الظّالمون الضّالّون إزاء الأنبياء ودعواتهم الكريمة ، أمّا الاستدلال الممزوج بالعاطفة والحبّ والرّأفة بالنّاس ، فهو أسلوب الأنبياء ، رسل السّماء إلى الأرض . في الرّوايات الإسلاميّة والتّاريخ الإسلاميّ آثار كثيرة وغنيّة عن مناظرات الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه وسلّم وأئمّة أهل البيت عليهم السّلام مع المعارضين ، وإذا ما توفّر جهد معيّن على جمعها وتصنيفها فإنّها ستشكّل كتابا كبيرا وضخما للغاية . وقد قام العلّامة الشّيخ الطّبرسيّ « 1 » بجمع بعضها في كتابه « الاحتجاج » . وبالطّبع لم ينحصر مقام المجادلة بالّتي هي أحسن ، ومناظرة الخصوم على المعصومين وحسب ، وإنّما برزت قابليّات كبيرة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأئمّة أهل البيت عليهم السّلام ، ممّن كانت حججهم ترعب الخصوم . ونلاحظ هنا أنّ الأئمّة عليهم السّلام كانوا يحثّون من يجدون فيه القدرة الكافية والمنطق القويّ المتين للقيام بهذه الوظيفة ، وبدون أسلوب المجادلة الإيجابيّ قد تضعف جبهة الحقّ ويقوى عود خصومها ، ويجدون في أنفسهم الجرأة في مواجهة الحقّ والتّمادي في عنادهم . وفي هذا الاتّجاه نقرأ في حديث ، أنّ أحد أصحاب الإمام الصّادق عليه السّلام يلقّب ب « الطّيّار » ويدعى حمزة بن محمّد جاء إلى الإمام الصّادق وقال له : « بلغني أنّك كرهت مناظرة النّاس » فأجابه الإمام عليه السّلام بقوله : « أمّا

--> ( 1 ) ليس هو أمين الإسلام صاحب مجمع البيان المتوفّى عام 548 ه وإنّما هو أحمد بن عليّ الطّبرسيّ المتوفّى 560 ه .