مجمع البحوث الاسلامية
188
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مثلك فلا يكره ، من إذا طار يحسن أن يقع ، وإن وقع يحسن أن يطير ، فمن كان هذا لانكرهه » . كلام جميل يشير بوضوح كاف إلى القوّة والمتانة في قدرة الاستدلال والمناظرة لدى الشّخص المعنيّ « الطّيّار » ، وفي الكلام أيضا إشارة إلى ضرورة الاستعداد وبذل الجهد لمن يريد خوض المناظرة مع الخصوم ، كي يكون بمقدوره استخلاص النّتائج وإنهاء البحث ، والتّهيّؤ لكافّة الاحتمالات المتوقّعة من الخصم ، بمستوى من السّيطرة الكاملة على الموقف من البحوث الاستدلاليّة ، حتّى لا يحسب ضعف منطقهم بأنّه بسبب ضعف دينهم ومذهبهم . ج - الآثار السّيّئة للجدال السّلبيّ : صحيح أنّ البحث والنّقاش هو مفتاح لحلّ المشاكل ، إلّا أنّ هذا الأمر يصحّ في حال رغبة الطّرفين في نشدان الحقّ والبحث عن الطّريق الصّحيح ، أو على الأقلّ يكون أحد الطّرفين متمسّكا بالحقّ ومستهدفا السّبيل إليه فيما يخوض من نقاش ومناظرة . أمّا أن يكون النّقاش والجدل بين الطّرفين بهدف التّفاخر واستعراض القوّة ، وفرض الرّأي على الطّرف الثّاني عن طريق إثارة الضّجّة ، فإنّ عاقبة هذا الأمر لا تكون سوى الابتعاد عن الحقّ وعشعشة الظّلمة في القلوب ، وتجذّر العداء والحقد لا غير ؛ ولهذا السّبب نهت الرّوايات والأحاديث الإسلاميّة عن المراء والجدال الباطل ، وفي هذه المرويّات إشارات كبيرة المعنى إلى الآثار السّيّئة لهذا النّوع من الجدال . ففي حديث عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب نقرأ قوله عليه السّلام : « من ضنّ بعرضه فليدع المراء » لأنّ في هذا النّوع من النّقاش سوف ينحدر بالكلام تدريجيّا ، ليصل إلى مناحي الاستهانة وعدم الاحترام وتبادل الكلام المبتذل القبيح ، وترامي الاتّهامات الباطلة . وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين أيضا نقرأ وصيّته عليه السّلام ؛ إذ يقول : « إيّاكم والمراء والخصومة فإنّهما يمرضان القلوب على الإخوان ، وينبت عليهما النّفاق » . إنّ مثل هذا النّوع من الجدال والّذي يكون عادة فاقدا للالتزام بالأصول الصّحيحة للبحث والاستدلال ، سيقوّي روح اللّجاجة والتّعصّب والعناد لدى الأشخاص ؛ بحيث يستخدم كلّ طرف - بهدف التّغلّب على خصمه والانتصار لنفسه - كلّ الأساليب حتّى تلك الّتي تنطوي على الكذب والتّهمة ، ومثل هذا العمل لا يمكن أن تكون عاقبته إلّا السّوء والحقد ، وتنمية جذور النّفاق في الصّدور . إنّ واحدة من المفاسد الكبيرة الأخرى للجدال السّلبيّ المنهيّ عنه ، هو تمسّك الطّرفين بانحرافاتهم وأخطائهم وإصرارهم على اشتباهاتهم ، في موقف عنيد بعيد عن الحقّ والصّواب ؛ ذلك لأنّ كلّ طرف يحاول ما استطاع التّمسّك بأيّ دليل والتّشبّث بالباطل ، لفرض رأيه وإثبات كلامه ، وهو في ذلك مستعدّ لأن يتجاهل الكلام الحقّ الّذي يصدر من خصمه ، أو أنّه ينظر إليه بعدم الرّضا والقبول . وهذا بحدّ ذاته يزيد من الانحراف والاشتباه والخطأ . د - أسلوب المجادلة بالتّي هي أحسن : لا يستهدف « الجدال الإيجابيّ » تحقير الطّرف الآخر