مجمع البحوث الاسلامية
128
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وعندي فيه قول ثالث : وهو أنّ جدّ الإنسان : أصله الّذي منه وجوده ، فجعل الجدّ مجازا عن الأصل ، فقوله تعالى : ( جَدُّ رَبِّنا ) معناه : تعالى أصل ربّنا ، وأصل حقيقته المخصوصة الّتي لنفس تلك الحقيقة ، من حيث إنّها هي تكون واجبة الوجود . فيصير المعنى : أنّ حقيقته المخصوصة متعالية عن جميع جهات التّعلّق بالغير ، لأنّ الواجب لذاته يجب أن يكون واجب الوجود من جميع جهاته ، وما كان كذلك استحال أن يكون له صاحبة وولد . [ ثمّ أدام نحو الزّمخشريّ ] ( 30 : 154 ) أبو السّعود : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا بالفتح ، قالوا : هو وما بعده من الجمل المصدّرة ب « أنّ » في أحد عشر موضعا ، عطف على محلّ الجارّ والمجرور في فَآمَنَّا بِهِ الجنّ : 2 ، كأنّه قيل : فصدّقناه وصدّقنا أنّه تعالى جدّ ربّنا ، أي ارتفع عظمته ، من جدّ فلان في عيني ، أي عظم تمكّنه أو سلطانه أو غناه ، على أنّه مستعار من الجدّ : الّذي هو البخت ، والمعنى وصفه بالاستغناء عن الصّاحبة والولد لعظمته أو لسلطانه لغناه ، وقرئ بالكسر ، وكذا الجمل المذكورة عطفا على المحكيّ بعد القول ، وهو الأظهر لوضوح اندراج كلّها تحت القول ، وأمّا اندراج الجمل الآتية تحت الإيمان والتّصديق كما يقتضيه العطف على محلّ الجارّ والمجرور ففيه إشكال . ( 6 : 314 ) سيّد قطب : والجدّ : الحظّ والنّصيب ، وهو القدر والمقام ، وهو العظمة والسّلطان ، وكلّها إشعاعات من اللّفظ تناسب المقام . والمعنى الإجماليّ منها في الآية هو التّعبير عن الشّعور باستعلاء اللّه سبحانه وبعظمته وجلاله ، عن أن يتّخذ صاحبة - أي زوجة - وولدا بنين أو بنات . ( 6 : 3727 ) بنت الشّاطئ : الكلمة وحيدة الصّيغة في القرآن ، ومعها فيه من مادّتها « جديد » ثماني مرّات ، كلّها صفة لخلق و ( جدد ) في آية فاطر : 27 وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها . وتفسير ( جَدُّ رَبِّنا ) بعظمته ، ممّا تحتمله الدّلالة اللّغويّة ، فمن معاني « الجدّ » في العربيّة : أبو الوالدين ، وأحد الأجدادين والجدود ، والبخت والحظّ ، والحظوة ، والرّزق ، والعظمة . والجدّة : ضدّ البلى ، وجدّد الشّيء صيّره جديدا ، والجادّة : الطّريق المسلوك الممهّد ، والجدّ : الاجتهاد ، والجديدان : اللّيل والنّهار ، بما في تعاقبهما من تجدّد آيتهما . على أنّ الرّاغب فسّر « الجدّ » في الآية المسؤول عنها بالفيض الإلهيّ تَعالى جَدُّ رَبِّنا أي فيضه ، وقيل : عظمته . وإضافته إليه تعالى على سبيل الاختصاص بملكه . وسمّي ما جعل اللّه من الحظوظ الدّنيويّة « جدّا » وهو البخت . وفي حديث الدّعاء : « تبارك اسمك وتعالى جدّك » قال ابن الأثير : أي علا جلالك وعظمتك . ولعلّ وجه التّقريب في تفسير « الجدّ » بالعظمة ، جاء من لمح ما في الجدّ من دلالة على ما أبدع سبحانه من نظام الكون ، وما هدى إلى نهج الطّريق السّويّ . والملحظ في البيان القرآنيّ أنّه لا يستعمل « الجديد » إلّا في النّشأة الأخرى بعد الموت والبلى ، فكلّ خلق جديد في القرآن ، لهذه النّشأة الأخرى . أمّا النّشأة الأولى فيعبّر عنها القرآن بالخلق ، إبداعا وتكوينا ؛ وذلك