مجمع البحوث الاسلامية

129

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كلّه من آيات القدرة الإلهيّة وعظمتها . وسياق الآية يؤنس إلى ما في الجدّ من عظمة وتفرّد ، بتمام آيته . ( الإعجاز البيانيّ : 352 ) الطّباطبائيّ : فسّر « الجدّ » بالعظمة وفسّر بالحظّ ، والآية في معنى التّأكيد ، لقولهم : وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً الجنّ : 2 . ( 20 : 40 ) عبد الكريم الخطيب : جَدُّ رَبِّنا : ملكه وسلطانه ومجده . وأصل الجدّ : الحظّ والنّصيب الّذي يصيبه الإنسان في حياته من حظوظ الدّنيا . فجدّه هو كلّ ما له من مال ومتاع ، وبنين وعلم وجاه وسلطان . وقوله تعالى : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا هو معمول لفعل محذوف ، معطوف على قوله تعالى : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً الجنّ : 1 ، أي سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً وعلمنا ممّا سمعنا أنّه تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً . وهكذا كلّ ما جاء على لسان الجنّ بعد هذا ، هو معمول لفعل مترتّب على استماعهم لما استمعوا من آيات اللّه ، وما كشفت لهم من حقّ وهدى . وقولهم : تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً أي عظم مجده وتعالى سلطانه ، وتنزّهت عزّته عن أن يتّخذ صاحبة أو ولدا . فإنّ اتّخاذ الصّاحبة أو الولد ، إنّما يكون عن حاجة إليهما ؛ بحيث لو افتقد الإنسان وجودهما بين يديه تطلّعت إليهما نفسه ، وشغل بهما قلبه ، واللّه سبحانه في غنى عن كلّ شيء ، فكلّ شيء هو منه ، وله وإليه . ( 15 : 1222 ) مكارم الشّيرازيّ : وبعد إظهار الإيمان ونفي الشّرك باللّه تعالى ينتقل كلامهم إلى تبيان صفات اللّه تعالى : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً . جدّ : لها معان كثيرة في اللّغة ، منها : العظمة والشّدّة ، والجدّ والقسمة والنّصيب وغير ذلك . وأمّا المعنى الحقيقيّ لها - كما يقول الرّاغب في « المفردات » - فهو القطع ، وتأتي بمعنى « العظمة » إذا كان هناك كائن عظيم منفصل بذاته عن بقيّة الكائنات ، وكذلك يمكن الأخذ بما يناسب بقيّة المعاني التّابعة لها . وإذا ما أطلقنا لفظة « الجدّ » على والديّ الأبوين فإنّما يعود ذلك إلى كبر مقامهما أو عمرهما . وذكر آخرون معاني محدودة لهذه الكلمة ، فقد فسّروها بالصّفات والقدرة والملك والحاكميّة والنّعمة والاسم ، وتجتمع كلّ هذه المعاني في معنى « العظمة » . وهناك ادّعاء في أنّ المقصود هنا هو الأب الأكبر « الجدّ » . وتشير الرّوايات إلى أنّ الجنّ لقلّة معرفتهم اختاروا هذا التّعبير غير المناسب . وهذا إشارة إلى نهيهم عن ذكر مثل هذه التّعابير . ويمكن أن يكون هذا الحديث التفاتا منهم إلى أمور كهذا الادّعاء ، وإلّا لم يذكر القرآن هذا التّعبير والتّوافق عليه ، وقد ذكر هذا الأسلوب في التّعبير أيضا في « نهج البلاغة » ، كما في الخطبة ( 191 ) : « الحمد للّه الفاشي في الخلق حمده ، والغالب جنده ، والمتعالي جدّه » . وورد في بعض الرّوايات أنّ أنس بن مالك قد قال : كان الرّجل إذا قرأ سورة البقرة جدّ في أعيننا . على كلّ حال فإنّ استعمال هذه اللّفظة في المجد والعظمة مطابق لما في نصوص اللّغة ، ومن الملاحظ أنّ خطباء الجنّ معتقدون بأنّ اللّه غير متّخذ لنفسه صاحبة