مجمع البحوث الاسلامية

904

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فسمع أبا بكر يقرأ بصوت منخفض وسمع عمر يقرأ بصوت رفيع ، فسأل أبا بكر يقرأ بصوت منخفض وسمع عمر يقرأ يقرأ بصوت رفيع ، فسأل أبا بكر لم تقرأ هكذا ؟ فقال : المعبود سميع عليم ، وسأل عمر لم تقرأ هكذا ؟ فقال : أوقظ الوسنان وأطرد الشّيطان . الوجه الثّاني : أنّ المراد من قوله : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا الصّفوف الحاصلة من العلماء المحقّقين الاذين يدعون إلى دين اللّه تعالى ، والمراد منه قوله : ( فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ) اشتغالهم بالزّجر عن الشّبهات والشّهوات والمراد من قوله تعالى : فَالتَّالِياتِ ذِكْراً اشتغالهم بالدّعوة إلى دين اللّه والتّرغيب في العمل بشرائع اللّه . الوجه الثّالث : أن نحملها على أحوال الغزاة والمجاهدين في سبيل اللّه ، فقوله : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا المراد منه صفوف القتال ، لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا الصّفّ : 4 ، وأمّا ( فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ) فالزجرة والصّيحة سواء ، والمراد منه رفع الصّوت بزجر الخيل ، وأمّا فَالتَّالِياتِ ذِكْراً فالمراد منه اشتغال الغزاة وقت شروعهم في محاربة العدوّ بقراءة القرآن ، وذكر اللّه تعالى بالتّهليل والتّقديس . الوجه الرّابع : أن نجعلها صفات لآيات القرآن ، فقوله : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا المراد : آيات القرآن ، فإنّها أنواع مختلفة ، بعضها في دلائل التّوحيد ، وبعضها في دلائل العلم والقدرة والحكمة ، وبعضها في دلائل النّبوّة ، وبعضها في دلائل المعاد ، وبعضها في بيان التّكاليف والأحكام ، وبعضها في تعليم الأخلاق الفاضلة . وهذه الآيات مرتّبة ترتيبا لا يتغيّر ولا يتبدّل ، فهذه الآيات تشبه أشخاصا واقفين في صفوف معيّنة . وقوله : فَالزَّاجِراتِ زَجْراً المراد منه : الآيات الزّاجرة عن الأفعال المنكرة ، وقوله : فَالتَّالِياتِ ذِكْراً المراد منه : الآيات الدّالّة على وجوب الإقدام على أعمال البرّ والخير ، وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال : شعر شاعر وكلام قائل ، قال تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ الأسراء : 9 وقال : يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ يس : 1 ، 2 ، قيل : الحكيم بمعنى الحاكم ، فهذه جملة الوجوه المحتملة على تقدير أن تجعل هذه الألفاظ الثّلاثة صفات لشيء واحد . وأمّا الاحتمال الثّاني : وهو أن يكون المراد بهذه الثّلاثة أشياء متغايرة ، فقيل : المراد بقوله : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا الطّير ، من قوله تعالى : وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ النّور : 41 ، ( والزّاجرات ) : كلّ ما زجر عن معاصي اللّه ، ( والتّاليات ) : كلّ ما يتلى من كتاب اللّه . وأقول : فيه وجه آخر ، وهو أنّ مخلوقات اللّه إمّا جسمانيّة وإمّا روحانيّة : أمّا الجسمانيّة فإنّها مرتّبة على طبقات ودرجات لا تتغيّر ألبتّة ، فالأرض وسط العالم وهي محفوفة بكرة الماء ، والماء محفوف بالهواء ، والهواء محفوف بالنّار ، ثمّ هذه الأربعة محفوفة بكرات الأفلاك إلى آخر العالم الجسمانيّ ، فهذه الأجسام كأنّها صفوف واقفة على عتبة جلال اللّه تعالى . وأمّا الجواهر الرّوحانيّة فهي على اختلاف درجاتها وتباين صفاتها مشتركة في صفتين : أحدهما : التّأثير في عالم الأجسام بالتّحريك