مجمع البحوث الاسلامية
905
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والتّصريف ، وإليه الإشارة بقوله : فَالزَّاجِراتِ زَجْراً . فأنّا قد بيّنّا أنّ المراد من هذا الزّجر : السّوق والتّحريك . والثّاني : الإدراك والمعرفة والاستغراق في معرفة اللّه تعالى والثّناء عليه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : فَالتَّالِياتِ ذِكْراً . ولمّا كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المستقلّة فالتّصرّف في الجسمانيّات أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال اللّه المقبلة على تسبيح اللّه ، كما قال : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ الأنبياء : 19 . لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام ، فقال : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ، ثمّ ذكر في المرتبة الثّانية الأرواح المقدّسة المتوجّهة بكلّيّتها إلى معرفة جلال اللّه والاستغراق في الثّناء عليه . فهذه احتمالات خطرت بالبال ، والعالم بأسرار كلام اللّه تعالى ليس إلّا اللّه . المسألة الثّالثة : للنّاس في هذا الموضع قولان : الأوّل : قول من يقول : المقسم به هاهنا خالق هذه الأشياء لا أعيان هذه الأشياء ، واحتجّوا عليه بوجوه : الأوّل : أنّه اللّه أكبر نهى عن الحلف بغير اللّه ، فكيف يليق بحكمة اللّه أن يحلف بغير اللّه . والثّاني : أنّ الحلف بالشّيء في مثل هذا الموضع تعظيم عظيم للمحلوف به ، ومثل هذا التّعظيم لا يليق إلّا باللّه . والثّالث : أنّ هذا الّذي ذكرناه تأكّد بما أنّه تعالى صرّح به في بعض السّور ، وهو قوله تعالى : وَالسَّماءِ وَما بَناها * وَالْأَرْضِ وَما طَحاها * وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها الشّمس : 5 - 7 . والقول الثّاني : قول من يقول : إنّ القسم واقع بأعيان هذه الأشياء ، واحتجّوا عليه بوجوه : الأوّل : أنّ القسم وقع بهذه الأشياء بحسب ظاهر اللّفظ ، فالعدول عنه خلاف الدّليل . والثّاني : أنّه تعالى قال : وَالسَّماءِ وَما بَناها فعلّق لفظ القسم ب ( السّماء ) ثمّ عطف عليه القسم بالباني للسّماء . فلو كان المراد من القسم ب ( السّماء ) القسم بمن بنى السّماء ، لزم التّكرار في موضع واحد ، وأنّه لا يجوز . والثّالث : أنّه لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم من اللّه تعالى بهذه الأشياء ، التّنبيه على شرف ذواتها وكمال حقائقها ، لا سيّما إذا حملنا هذه الألفاظ على « الملائكة » فإنّه تكون الحكمة في القسم بها التّنبيه على جلالة درجاتها وكمال مراتبها ، واللّه أعلم . فإن قيل : ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق ، وبيانه من وجوه : الأوّل : أنّ المقصود من هذا القسم إمّا إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو عند الكافر ؛ والأوّل باطل ، لأنّ المؤمن مقرّ به سواء حصل الحلف أو لم يحصل ، فهذا الحلف عديم الفائدة على كلّ التّقديرات . الثّاني : أنّه تعالى حلف في أوّل هذه السّورة على أنّ الإله واحد ، وحلف في أوّل سورة ( والذّاريات ) على أنّ القيامة حقّ ، فقال : وَالذَّارِياتِ ذَرْواً إلى قوله : إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ 1 - 6 ، وإثبات هذه المطالب العالية الشّريفة على المخالفين من الدّهريّة وأمثالهم بالحلف واليمين لا يليق بالعقلاء ؛ والجواب من وجوه :