مجمع البحوث الاسلامية

903

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كبرياء اللّه ، غير الجهة الّتي باعتبارها تستولي على عالم الأجسام ، وتقدر على التصرّف فيها ، وقوله : فَالتَّالِياتِ ذِكْراً إشارة إلى الأشرف من الجهة الّتي باعتبارها تقوّى على التّأثير في عالم الأجسام . إذا عرفت هذا فقوله : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا إشارة إلى وقوفها صفّا صفّا في مقام العبوديّة والطّاعة بالخشوع والخضوع ، وهي الجهة الّتي باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسيّة أصناف الأنوار الإلهيّة والكمالات الصّمديّة . وقوله تعالى : فَالزَّاجِراتِ زَجْراً إشارة إلى تأثير الجواهر الملكيّة في تنوير الأرواح البشريّة ، وإخراجها من القوّة إلى الفعل ، وذلك لمّا ثبت أنّ هذه الأرواح النّطقيّة البشريّة بالنّسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنّسبة إلى البحر ، وكالشّعلة إلى الشّمس . وأنّ هذه الأرواح البشريّة إنّما تنتقل من القوّة إلى الفعل في المعارف الإلهيّة والكمالات الرّوحانيّة بتأثيرات جواهر الملائكة ، ونظيره قوله تعالى : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وقوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ ، وقوله تعالى : فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً . إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية دقيقة أخرى وهي أنّ الكمال المطلق للشّيء إنّما يحصل إذا كان تامّا وفوق التّام . والمراد بكونه تامّا : أن تحصل جميع الكمالات اللّائقة به حصولا بالفعل ، والمراد بكونه فوق التّامّ : أن تفيض منه أصناد الكمالات والسّعادات على غيره ، ومن المعلوم أنّ كونه كاملا في ذاته مقدّم على كونه مكمّلا لغيره . إذا عرفت هذا فقوله : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبوديّة وصفوف الخدمة والطّاعة ، وقوله تعالى : فَالزَّاجِراتِ زَجْراً إشارة إلى كيفيّة تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسيّة والأنوار الإلهيّة على الأرواح النّاطقة البشريّة ، فهذه مناسبات عقليّة واعتبارات حقيقيّة تنطبق عليها هذه الألفاظ الثّلاثة . قال أبو مسلم الأصفهانيّ : لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة ، لأنّها مشعرة بالتّأنيث والملائكة مبرّؤون عن هذه الصّفة ؛ والجواب من وجهين : الأوّل : أنّ ( الصّافّات ) جمع الجمع ، فإنّه يقال : جماعة صافّة ، ثمّ يجمع على صافّات . والثّاني : أنّهم مبرّؤون عن التّأنيث المعنويّ ، أمّا التّأنيث في اللّفظ فلا ، وكيف وهم يسمّون الملائكة مع أنّ علامة التّأنيث حاصلة في هذا الوجه . الثّاني : أنّ تحمّل هذه الصّفات على النّفوس البشريّة الطّاهرة المقدّسة المقبلة على عبوديّة اللّه تعالى الّذين هم ملائكة الأرض ، وبيانه من وجهين : الأوّل أنّ قوله تعالى : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا المراد : الصّفوف الحاصلة عند أداء الصّلوات بالجماعة ، وقوله : فَالزَّاجِراتِ زَجْراً إشارة إلى قراءة ( أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم ) كأنّهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشّياطين عن إلقاء الوساوس في قلوبهم في أثناء الصّلاة ، وقوله : فَالتَّالِياتِ ذِكْراً إشارة إلى قراءة القرآن في الصّلاة ، وقيل : فَالزَّاجِراتِ زَجْراً إشارة إلى رفع الصّوت بالقراءة ، كأنّه يزجر الشّيطان بواسطة رفع الصّوت . روي أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم طاف على بيوت أصحابه في اللّيالي ،