مجمع البحوث الاسلامية
865
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
قبله ، ولا تختلف إلى أهل الكتاب ، بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز والتّضمين للغيوب وغير ذلك ، فلو كنت ممّن يقرأ كتابا ، ويخطّ حروفا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أي من أهل الكتاب ، وكان لهم في ارتيابهم متعلّق ، وقالوا الّذي نجده في كتبنا أنّه أمّيّ لا يكتب ولا يقرأ وليس به . ( 13 : 351 ) نحوه البيضاويّ ( 2 : 212 ) ، وأبو حيّان ( 7 : 155 ) ، وغيرهما . أبو السّعود : أي ما كنت قبل إنزالنا إليك الكتاب تقدر على أن تتلو شيئا أو ما كانت عادتك أن تتلوه ولا أن تخطّه . ( 5 : 157 ) مثله الآلوسيّ . ( 21 : 4 ) البروسويّ : أي وما كانت عادتك يا محمّد قبل إنزالنا إليك القرآن أن تتلو شيئا . ( 6 : 479 ) الطّباطبائيّ : التّلاوة هي القراءة سواء كانت عن حفظ أو عن كتاب مخطوط ، والمراد به في الآية الثّاني ، بقرينة المقام . وظاهر التّعبير في قوله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا إلخ ، نفي العادة ، أي لم يكن من عادتك أن تتلو وتخطّ ، كما يدلّ عليه قوله في موضع آخر : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ يونس : 16 . وقيل : المراد به نفي القدرة ، أي ما كنت تقدر أن تتلو وتخطّ من قبله . والوجه الأوّل أنسب بالنّسبة إلى سياق الحجّة ، وقد أقامها لتثبيت حقّيّة القرآن ونزوله من عنده . والمعنى : وما كان من عادتك قبل نزول القرآن أن تقرأ كتابا ، ولا كان من عادتك أن تخطّ كتابا وتكتبه - أي ما كنت تحسن القراءة والكتابة ، لكونه أمّيّا - ولو كان كذلك لارتاب هؤلاء المبطلون الّذين يبطلون الحقّ بدعوى أنّه باطل . لكن لمّا لم تحسن القراءة والكتابة واستمررت على ذلك ، وعرفوك على هذه الحال لمخالطتك لهم ومعاشرتك معهم ، لم يبق محلّ ريب لهم في أمر القرآن النّازل إليك ، أنّه كلام اللّه تعالى وليس تلفيقا لفّقته من كتب السّابقين ، ونقلته من أقاصيصهم وغيرهم ، حتّى يرتاب المبطلون ويعتذروا به . ( 16 : 138 ) جلال الحنفيّ البغداديّ : أمّيّة النّبيّ الأميّ « 1 » : كان للكتابة في الجاهليّة وجود لا مجال لإنكاره ، ولكنّه كان من كماليّات الأشياء ومذوقات الصّفات ، ولم يكن تعلّم القراءة والكتابة بالأمر الهيّن ؛ إذ كان يتطلّب
--> ( 1 ) وكان العرب أميّين هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ الجمعة : 2 ، الأمّيّون بالمعنى اللّغويّ هم الّذين لا يقرؤون ولا يكتبون وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ البقرة : 78 ، بل إنّ العالم كلّه أو معظمه كان أميّا ، لا سيّما عامّة النّاس وسائر أفراد الشّعوب ، إلّا الكهنة ، ومن ماثلهم من الحكماء . وذاك أنّ الأميّة أمر طبيعيّ حين لا يكون ثمّة ما يكتب ويقرأ ، لا سيّما إذ كانت الحضارات أيّام بعثه صلّى اللّه عليه وسلّم قد انهارت وانقرضت ، بفعل انصراف الأمم والشّعوب القديمة إلى الحروب الطّاحنة والغزوات المدمّرة . إنّ الأميّة لم تكن في تلك العهود عيبا أو منقصة أو كلمة ثلب لأحد ، بل كانت إذا ذكرت يراد بها ذكر واقع النّاس والأمم . بل إنّ من لم يكن أمّيّا وكان يقرأ ويكتب لا يجد في ذلك ما يحمله على المباهاة والمفاخرة . على أنّ وجود الذّكاء والنّباهة لدى أولئك الأجيال كان يعوّض بعض التّعويض في حياتهم اليوميّة ، عن حاجتهم إلى القراءة والكتابة .