مجمع البحوث الاسلامية
866
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نفقات كبيرة وتفرّغا ومتابعة مستديمين ، كما أنّ متعلّم القراءة والكتابة إذا لم يجد مجالا لممارستها فإنّه سينسى الكثير ممّا تعلّمه منهما ، ولم تكن البيئة العربيّة يومذاك بيئة تأليف وتدوين ومكاتبات ومراسلات ، لذلك كان معظم رجال العرب غير عابئين بتعلّم القراءة والكتابة ، كما أنّ الاعتماد على الذّكاء والفطنة وقوّة الحفظ لديهم كان يصرفهم عن التّفكير في الكتابة وتثبيت المعلومات الّتي لو كتبوها لم يجدوا من يقرأها . وكانت تتجلّي مزيّة الرّجل فيهم لا سيّما الرّواة والخطباء والشّعراء بالذّهنيّة الّتي تستوعب الكثير من أخبار التّاريخ والقصائد ، وما إلى ذلك . بل بلغ الأمر بهم أن اتّهموا من يكتب بفساد المعلومات الّتي يكتبها ، ومن هنا جاءت كلمة « التّحريف » الّتي هي تغيير الألفاظ عن مواضعها وتشويه مقاصدها . وإنّما جاء اللّفظ من استعمال الحرف في الكتابة ، ومثل ذلك كلمة « التّصحيف » الّتي جاءت من استعمال الصّحف . وما يزال النّاس عندنا يستخفّون بمن يكتب الأشياء البسيطة في ورقة أو كتاب . ولم يكن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وقد مات كافله الّذي هو جدّه عبد المطّلب في سنّ من الصّغر مبكّرة بالقادر على أن يجد فرصة للتعلّم ، على أنّ فكرة تعليم الصّبيان لم تكن معروفة يومذاك ، ولا كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم متيسّرا له أن يتعلّم الكتابة أيّام كفالة عمّه أبي طالب إيّاه ، لا سيّما بعد اضطراب الأحوال المعاشيّة على عمّه ، وقد اشتغل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم برعي الأغنام ولم يكن مثل ذلك ممّا يسمح بالقراءة أو الكتابة أو يتطلّبهما . وعندما اختير للأعمال التّجاريّة الّتي كانت لخديجة كان الأوان قد فات على حكاية القراءة والكتابة ، على أنّه يبدو أنّ التّجّار يومذاك لم يكونوا يتّخذون السّجلّات لضبط أمورهم التّجاريّة ؛ إذ قد يكون العمل التّجاريّ عندهم ذا طبيعة سرّيّة يتكتّمون فيها . وكانت عادة الأمانة والثّقة تمنعهم من كتابة الدّيون وتحديد مواعيد تسليمها ، لولا أنّ القرآن الكريم كان أوّل من أمر بذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ . . . البقرة : 282 . والنّقطة الثّابتة أنّ التّجارة يومئذ لم تكن خاضعة لموافقات جهات رسميّة ، بحيث تتطلّب الإجازات واتّخاذ الأضابير وكتابة أسماء المنشأ التّجاريّ ، كما أنّ العملات لم تكن يومذاك تمرّ بظروف الصّيرفة المعروفة ليصار أمرها إلى التّسجيل والتّثبّت . ومعظم ما نشأ في ظلّ الحضارة الإسلاميّة فيما بعد من أعراف تجاريّة وما أشبه ذلك لم يكن معهودا عند العرب أيّام جاهليّتهم . وخلاصة ما قلناه هو أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب ، ولو كان قد نعرف بالدّراسة والقراءة والكتابة مع ادّعاء الأميّة بعد النّبوّة لو وجّه بذلك ، وفي القرآن الكريم قوله تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ . وكلمة المبطلين كانت تشمل جميع من دعاهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أوّل الأمر . وقد نقل القرآن أقوالهم في النّبيّ وكان ظاهرا فيها