مجمع البحوث الاسلامية

856

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يتدبّر الكتاب مستهديا مسترشدا ملاحظا أنّه مخاطب به من اللّه تعالى ليأخذ به فيهتدي ويرشد ، والمقلّدون محرومون من هذا فلا يخطر لهم ببال إنّهم مطالبون بالاهتداء بكتاب اللّه تعالى ، وإنّما الهداية عندهم محصورة في كلام رؤسائهم الدّينيّين ، ولا سيّما إذا كانوا ميّتين . وإذا كنّا نعتبر بما قصّ اللّه تعالى علينا من خبر أهل الكتاب ، كما قال : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ يوسف : 111 ، فإنّنا نعرف حكم أهل القرآن عنده تعالى ممّا ذكره عن أهل التّوراة والإنجيل كما نعرفه من مثل قوله عزّ وجلّ : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها محمّد : 24 ، وقوله : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ص : 29 ، فكلّ هذه الآيات والعبر لم تحلّ دون اتّباع هذه الأمّة سنن من قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع ، كما أنبئت للتّحذير ، والقرآن حجّة عليها كما ورد في الحديث « القرآن حجّة لك أو عليك » ولا شكّ أنّ من يتلو ألفاظ القرآن وهو معرض عن هدايته غير معتبر بوعده ووعيده فهو كالمستهزئ بربّه . سأل سائل من المقلّدين حاضري الدّرس بأنّ العلماء قالوا : إنّ القرآن يتعبّد بتلاوته ؟ فقال الأستاذ الإمام : نعم ولكنّهم لم يقولوا إنّه أنزل لذلك ، وكيف يقولون ذلك واللّه الّذي أنزله يقول إنّه أنزله لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ص : 29 ، فالقرآن وكذلك السّنّة يصرّحان في مواضع كثيرة بخلاف هذا القول إذا أخذ على إطلاقه وجعل معناه أو من معناه أنّ اللّه تعالى يطالب عباده بقراءة القرآن بدون تدبّر ولا تذكّر . وقد جاء من الأحاديث ما يصف حال قوم يأتون بعد « يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم » وقد سمّاهم شرار الخلق ، فهؤلاء الأشرار قد اتّخذوا القرآن من الأغاني والمطربات ؛ وإذا طالبت أحدهم بالفهم والتّدبّر أخذته العزّة بالإثم واحتجّ عليك بكلمة قالها فلان أو حلم رآه فلان ، وهكذا انقلب على المسلمين وضع الدّين ، ثمّ هم يتعجّبون مع ذلك كيف حرموا من وعد اللّه في قوله : أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ المؤمنون 68 ، 69 ، وضرب الأستاذ مثلا رجلا يرسل كتابا إلى آخر فيقرأه المرسل إليه هذرمة أو يترنّم به ولا يلتفت إلى معناه ولا يكلّف نفسه إجابة ما طلب فيه ثمّ يسأل الرّسول أو غيره : ما ذا قال صاحب الكتاب فيه وما ذا يريد منه ؟ أيرضى المرسل إليه بهذا أم يراه استهزاء به ؟ فالمثل ظاهر وإن كان الحقّ لا يقاس على الخلق ، فإنّ الكتاب لا يرسل لأجل ورقه ؛ ولا لأجل نقوشه ولا لأجل أن تكيف الأصوات حروفه وكلمه ولكن ليعلم مراد المرسل منه ويعمل به . ( رشيد رضا 1 : 447 ) رشيد رضا : [ بدأ بذكر الرّبط بين هذه الآية وبعدها لما قبلها ثمّ قال : ] وهذه الآية تنطق بأنّ منهم من يرجي إيمانه وهم الّذين وصفهم بما هو علّة الرّجاء ومناط الأمل وهو تلاوة كتابهم حقّ تلاوته ، وعدم الجمود على الظّواهر والتّقاليد ، والاكتفاء بالأمانيّ والظّنون . [ إلى أن قال : ] فاعلم أنّ هؤلاء قد ألحقوا بدينهم من التّقاليد