مجمع البحوث الاسلامية
851
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الطّبريّ : [ نقل أقوال المفسّرين ثمّ قال : ] والصّواب من القول في تأويل ذلك أنّه بمعنى يتّبعونه حقّ اتّباعه . من قول القائل : ما زلت أتلو أثره ، إذا اتّبع تأثره ، لإجماع الحجّة من أهل التّأزيل على أنّ ذلك تأويله . وإذا كان ذلك تأويله ، فمعنى الكلام : الّذين آتيناهم الكتاب يا محمّد من أهل التّوراة الّذين آمنوا بك ، وبما جئتهم به من الحقّ من عندي ، يتّبعون كتابي الّذي أنزلته على رسولي موسى صلوات اللّه عليه ، فيؤمنون به ، ويقرّون بما فيه من نعتك وصفتك ، وأنّك رسولي فرض عليهم طاعتي في الإيمان بك والتّصديق بما جئتهم به من عندي ، ويعملون بما أحللت لهم ، ويجتنبون ما حرّمت عليهم فيه ، ولا يحرّفونه عن مواضعه ولا يبدّلونه ولا يغيّرونه ، كما أنزلته عليه بتأويل ولا غيره . أمّا قوله : حَقَّ تِلاوَتِهِ فمبالغة في صفة اتّباعهم الكتاب ، ولزومهم العمل به ، كما يقال : إنّ فلانا لعالم حقّ عالم ، وكما يقال : إنّ فلانا لفاضل كلّ فاضل . وقد اختلف أهل العربيّة في إضافة « حقّ » إلى المعرفة ، فقال بعض نحويّي الكوفة : غير جائزة إضافته إلى معرفة ، لأنّه بمعنى أيّ ، وبمعنى قولك : أفضل رجل فلان ، و « أفعل » لا يضاف إلى واحد معرفة ، لأنّه مبعّض ، ولا يكون الواحد المبعّض معرفة ، فأحالوا أن يقال : مررت بالرّجل حقّ الرّجل ، ومررت بالرّجل جد الرّجل ، كما أحالوا مررت بالرّجل أي الرّجل ، وأجازوا ذلك في كلّ الرّجل وغير الرّجل ونفس الرّجل . وقالوا : إنّما أجزنا ذلك ، لأنّ هذه الحروف كانت في الأصل توكيدا ، فلمّا صرن مدوحا تركن مدوحا على أصولهنّ في المعرفة ، لأنّ العرب تعتدّ بالهاء إذا عادت إلى نكرة بالنّكرة ، فيقولون : مررت برجل واحد أمّه ، ونسيج وحده ، وسيّد قومه : قالوا : فكذلك قوله : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ إنّما جازت إضافته إلى التّلاوة ، وهي مضافة إلى معرفة ، لأنّ العرب تعتدّ بالهاء إذا عادت إلى نكرة بالنّكرة ، فيقولون : مررت برجل واحد أمّه ، ونسيج وحده ، وسيّد قومه ، قالوا : فكذلك قوله : حَقَّ تِلاوَتِهِ إنّما جازت إضافة ( حقّ ) إلى التّلاوة ، وهي مضافة إلى الهاء لاعتداد العرب بالهاء الّتي في نظائرها في عداد النّكرات . قالوا : ولو كان ذلك حقّ التّلاوة لوجب أن يكون جائزا . مررت بالرّجل حقّ الرّجل ، فعلى هذا القول تأويل الكلام : الّذي آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته . وقال بعض نحويّي البصرة : جائزة إضافة ( حقّ ) إلى النّكرات مع النّكرات ، ومع المعارف إلى المعارف ، وإنّما ذلك نظير قول القائل : مررت بالرّجل غلام الرّجل ، وبرجل غلام رجل . فتأويل الآية على قول هؤلاء : الّذي آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته . وأولى ذلك بالصّواب عندنا القول الأوّل ، لأنّ معنى قوله : حَقَّ تِلاوَتِهِ أي مع النّكرات ، ومع المعارف إلى المعارف ، مدح التّلاوة الّتي تلوها وتفضيلها ، و « أيّ » غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة عند جميعهم ، وكذلك « حقّ » غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة ، وإنّما أضيف في ( حقّ تلاوته ) إلى ما فيه الهاء لما وصفت