مجمع البحوث الاسلامية
722
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
واستترف القوم : طغوا ، وفي الحديث أنّ « إبراهيم فرّ به من جبّار مترف » . 2 - قال ابن فارس : « في كتاب الخليل : الترفة : الهنة في الشّفة العليا ، وهذا غلط ، إنّما هي التّفرة » . فإن كان كما يقول فلهذه المادّة أصل واحد ، وإن كان بخلاف ذلك فلها أصلان ، باعتبار الترفة - أي الهنة في الشّفة العليا - أصل برأسه . ولكن يؤخذ على ابن فارس أنّ « التّفرة » معنى مصرّح به ، وهو نقرة في وسط الشّفة العليا ، والترفة مكنّى عنه بلفظ هنة ناتئة فيها كما تقدّم . فليس « الترفة » تصحيف « التّفرة » كما ذهب إليه ، إذ هما لغتان ، مثل : اللّصص والرّصص ، أي شدّة التصاق الأسنان ، وجذب الشّيء وجبذه : مدّه . ولعلّ وجه اشتقاق الترفة - أي الهنة النّاتئة - من الترفة - أي المسقاة - هو شبهها بها ، بيد أنّ ابن فارس أراد أن يتفصّى من توجيه هذه العلقة بين المعنيين ، فذهب إلى هذا الرّأي ليستقيم له القياس في هذا الباب . الاستعمال القرآنيّ جاءت من هذه المادّة ثلاثة أفعال ، وخمسة أوصاف في ( 8 ) آيات : 1 - وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ المؤمنون : 33 2 - لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ الأنبياء : 13 3 - فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ هود : 116 . 4 - وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ سبأ : 34 5 - وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ الزّخرف : 23 6 - وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً الإسراء : 16 7 - حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ المؤمنون : 64 8 - إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ الواقعة : 45 يلاحظ أوّلا : أنّ الفعل « أترفناهم » في ( 1 ) معلوم ، فاعله اللّه ، وفي ( 2 ) و ( 3 ) مجهول ، وكذلك الوصف في الباقي ، اسم مفعول ، والفاعل فيها هو اللّه الّذي يوسّع على عباده بالنّعم ، ولا جناح عليه ، فإنّ النّعم مظاهر رحمته الواسعة الّتي يفيدها وصف ( الرّحمن ) ، إلّا أنّ النّاس هم الّذين يسيؤون الانقطاع بها ، فيبدّلون النّعمة نقمة ، والرّحمة ترفا ، فيوصفون بالمترفين . وبعبارة أخرى : النّعمة من اللّه خير ، والشّرّ من قبل النّاس ، نعم ، قد تكون النّعمة ابتلاء للنّاس ، وخذلانا لهم ، فيسند الإتراف حينئذ إلى اللّه ، لأنّه منعم النّعم الّتي تصير سبب