مجمع البحوث الاسلامية
723
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
خذلانهم . ففي ( 1 ) : وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وفي ( 6 ) : أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها نسب الإتراف - ومثله الأمر - إلى اللّه مجازا باعتبار ما يؤول إليه ، أي أنّ النّعمة موهبة من اللّه ، لكنّها تؤول إلى نقمة وإتراف . ويشهد بذلك نسبة الظّلم إليهم ونفيه عن اللّه في مثل : وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا في ( 3 ) ، وبعدها : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ هود : 117 ، وفي ( 6 ) : فَفَسَقُوا فِيها ، وقبلها : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا الإسراء : 15 ، وفي ( 2 ) : وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ، وقبلها : وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً الأنبياء : 11 ، وبعدها : قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ الأنبياء : 14 . وفي ( 7 ) : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ ، وقبلها : وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . . . وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ المؤمنون : 62 ، 63 ، وهكذا سياق سائر الآيات . وخلاصة المقال : أنّ اللّه لا يأمر بالقبيح ولا يعمل به ، وإنّما القبيح من قبل النّاس ، وهذا رأي الإماميّة والعدليّة جميعا في أمثال هذه الآيات ، إلّا أنّ الأشاعرة والّذين يقال لهم : « السّلفيّة » يبقونها - كآيات الصّفات - على ظاهرها ، ويوكلون معناها إلى اللّه تعالى . والمآل واحد ، فإنّ المسلمين كلّهم ينزّهون اللّه عن القبيح ، وشذّ من يقول بصدور القبيح عنه ، سبحانه وتعالى عمّا يصفون . ثانيا : جاء هذا الوصف ذمّا للكفّار ، كأكبر سبب لكفرهم ؛ وذلك أنّ التّرف ناشئ من حبّ الدّنيا ، وهو « رأس كلّ خطيئة » ، فالنّعمة موهبة من اللّه للنّاس ، فإذا قوبلت بالشّكر - وهو صرفها في سبيل الخير - فهي خير ، وإذا قوبلت بالكفر والتّرف فتنقلب شرّا . ثالثا : تنبئ الآيات عن إدبار المترفين عن دعوة الأنبياء ، وأنّه كان رذيلة مستمرّة بين الأمم ، ففي ( 1 ) يعبّر القرآن عنهم ب « الملأ » ، ونحوه في ( 4 ) : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ، وبإزاء المترفين الفقراء وأرباب الحوائج والمستضعفون ، فإنّهم مقبلون على دعوة الأنبياء غالبا ، كما يشهد به الكتاب والتّاريخ . وهذا أمر طبيعيّ ، لأنّه ليس أمامهم ما يمنعهم من الإقبال على الحقّ من التّرف وحبّ الدّنيا . فالفقر خير من الغنى من هذه النّاحية بالذّات ، وإن اعتوره الشّرّ من نواح أخرى ، لاحظ « ف ق ر » و « غ ن ي » . رابعا : الآيات كلّها مكّيّة فلم تأت هذه المادّة في المدنيّات ، فهل كانت لغة أهل مكّة ؟ أو الموصوفين بالإتراف كانوا من صناديد قريش ورؤساء مكّة الّذين وقفوا أمام دعوة النبيّ عليه السّلام فكرّرت في الكتاب ، تركيزا على ما كان يمنعهم عن قبول الدّعوة ، كما جرت تماما في الأمم الغابرة ؟