مجمع البحوث الاسلامية
680
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تحتها ) بزيادة ( من ) ، وكذلك هو في مصاحف مكّة ، وقرأ الباقون ( تحتها ) بغير ( من ) ، وعليه سائر المصاحف ، والمعنى واحد » ، ونحوه الزّمخشريّ ( 2 : 21 ) . وقال الآلوسيّ ( 11 : 9 ) : « قرأ ابن كثير ( من تحتها ) ، وأكثر ما جاء في القرآن ، موافق لهذه القراءة » . وعليه فهي قراءة لا تهدينا إلى ضالّتنا المنشودة ، والّذي يجدر بالبحث هنا معنى ( من ) فيها ، أهي للابتداء ؟ مثل : سرت من البصرة إلى الكوفة ، أو بمعنى « في » ؟ أي تجري في تحتها الأنهار ، أو للتّبعيض ؟ أي تجري الأنهار تحت بعضها ، وهو الأقرب ، لأنّ الأنهار إذا جرت تحت الجميع فهي بحار لا أنهار ، وهو الّذي نراه بالفعل من جريان الأنهار تحت الأشجار في ناحية من الجنّات دون استيعابها . خامسا : جاء في الآيات ( مِنْ تَحْتِهَا ) * ، وفي ( 29 ) : ( مِنْ تَحْتِهِمُ ) ، مع أنّها كغيرها في وصف أهل الجنّة ، والسّرّ فيها تقديم ( أَصْحابُ الْجَنَّةِ ) ، والفصل بينها وبين ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ ) بقوله : هُمْ فِيها خالِدُونَ * وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ . فأرجع الضّمير إليهم ، لأنّهم أقرب بها من ( الجنّة ) ، فالسّؤال ينبغي أن يوجّه إلى سرّ تغيير سياق هذه الآية وانفرادها عن غيرها ، لا إلى تبديل ( تحتها ) ب ( تحتهم ) . والسّرّ فيه - واللّه أعلم - أنّ الآية وصف لهم أوّلا بقوله : ( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) ، تنبيها على أنّ ( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) يجزون بقدر ما كلّفوا ، أي حسب وسعهم لا أكثر ، ثمّ نبّه على خلودهم في الجنّة ونزع ما في صدورهم من غلّ ، وأخّر ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ) تقديما لما هو الأهمّ بالذّكر وتأخيرا لغيره . وهناك مزيّة أخرى خاصّة بها ، وهي أنّها عبّرت أنّها عنهم ب ( أَصْحابُ الْجَنَّةِ ) جريا على ما تكرّر في هذه السّورة - الأعراف - من التّقابل بين أصحاب الجنّة وأصحاب النّار ، كسورة البقرة والحشر وغيرهما ، لاحظ « ص ح ب » : ( أَصْحابُ الْجَنَّةِ ) . سادسا : جاءت ( جنات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ) جزاء للّذين آمنوا وعملوا الصّالحات - وهو الأكثر - والمؤمنين والمؤمنات ، والمتّقين والمجاهدين والمهاجرين ، والأنصار والتّابعين ، والصّادقين ، والمصلّين ، والمؤتين للزّكاة ، والتّائبين والمستغفرين ، وللنّبيّ ولمن يطع اللّه ورسوله .