مجمع البحوث الاسلامية
663
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ إشارة إلى ما يحصل بالوهب الرّحمانيّ ، وما يحصل بالكسب الإنسانيّ . فمن عمل بما علم ، واجتهد في طريق الحقّ كلّ الاجتهاد ، ينال مراتب الأذواق والمشاهدات ، فيحصل له جنّتان ، جنّة العمل وجنّة الفضل ، وهذا الرّزق المعنويّ هو المقبول . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 2 : 417 ) محمّد جواد مغنيّة : مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ كناية عن السّعة في الرّزق تماما ، كما تقول : فلان غارق في النّعم من قرنه إلى قدمه . وفي معنى هذه الآية آيات كثيرة ، منها : الآية 96 من الأعراف : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، والآية 11 الرّعد : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ، والآية 41 الرّوم : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ، والآية 30 الشّورى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . وترشدنا هذه الآيات إلى أمرين : 1 - أنّ ظهور الفساد ، ومنه الفقر والمرض والجهل ، إنّما هو من حكم الأرض ، لا من حكم السّماء . ومن أيدي النّاس الّذين أماتوا الحقّ ، وأحيوا الباطل ، لا من قضاء اللّه وقدره ، وأنّ أيّة جماعة عرفوا الحقّ وعملوا به ، عاشوا في سعادة وهناء . 2 - أنّ التّعبير في الآيات الكريمة بقوم وبالنّاس ، يدلّ على أنّ الشّقاء يستند إلى فساد الأوضاع ، وأنّ مجرّد صلاح فرد من الأفراد ، لا يجدي شيئا ما دام بين قوم فاسدين ، بل يجرّ صلاحه عليه البلاء والشّقاء ، قال تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً الأنفال : 25 ، أي أنّ الآثار السّيّئة لمجتمع سيّء تعمّ جميع أفراده الصّالح والطّالح . وليس من شكّ أنّ الشّعب الكسول الخانع الخاضع للعسف والجور ، لا بدّ أن يعيش أفراده في الذّلّ والهوان . وعلى هذا يكون المراد بالإيمان الموجب للرّزق ، هو الإيمان باللّه ، مع العمل بجميع أحكامه ومبادئه ، لا إقامة الصّلاة فقط ، بل وأداء الزّكاة ، وجهاد المستغلّين والمحتكرين ، وإقامة العدل في كلّ شيء ، وليس من شكّ أنّ العدل متى عمّ وساد صلحت الأوضاع ، وذهب الفقر والشّقاء ، وهذا ما يهدف إليه القرآن . لقد كشف الإسلام عن الصّلة الوثيقة بين فساد الأوضاع ، وبين التّخلّف وآلام الإنسانيّة بشتّى أنواعها ، وسبق إلى معرفة هذه الحقيقة كلّ عالم من علماء الاجتماع ، وكلّ قائد من قادة الاشتراكيّة والدّيمقراطيّة وغيرها . وإذا كان لدى هؤلاء شيء يذكر فعن الإسلام أخذوا ، ومنه اقتبسوا . ولكن ما الحيلة فيمن ينفر من كلّ ما يمتّ إلى الدّين بسبب ، لا لشيء إلّا لأنّ اسمه دين . ( 3 : 95 ) الطّباطبائيّ : والمراد مِنْ فَوْقِهِمْ هو السّماء ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ هو الأرض ، فالجملة كناية عن تنعّمهم بنعم السّماء ، والأرض ، وإحاطة بركاتهما عليهم ، نظير ما وقع في قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ الأعراف : 96 .